السيد محسن الخرازي

21

عمدة الأصول

قال شيخنا الأعظم قدّس سرّه : لم يتوقف أحد في عامّ بمجرد احتمال دليل منفصل يحتمل أن يكون مخصصا له ، بل ربما يعكسون الأمر فيحكمون بنفي ذلك الاحتمال وارتفاع الاجمال لأجل ظهور العام ، ولذا لو قال المولى : أكرم العلماء ، ثم ورد قول آخر من المولى : انه لا تكرم زيدا واشترك زيد بين عالم وجاهل ، فلا يرفع اليد عن العموم بمجرد الاحتمال ، بل يرفعون الإجمال بواسطة العموم ، فيحكمون بإرادة زيد الجاهل من النهى . « 1 » ثم إنّ الظهورات الكلامية وإن كانت من الظنون ولكن حجيّتها من الضروريات ؛ إذا الطريق الشائع في تفهيم المقاصد والمرادات منحصر في الألفاظ ، والعقلاء بنوا عليها بلا كلام واحتجوا بها لهم وعليهم ، والشارع لم يخترع طريقا آخر لتفهيم مراداته ، فاعتبار الظنون الكلامية من اليقينيّات والضروريات . وعليه فظنيّة الظهورات لا تنافي قطعية اعتبارها ، ومع كونها قطعية الاعتبار لا مجال لدعوى كونها مشمولة للآيات الناهية عن العمل بالظن ؛ لانصراف الأدلّة الناهية عن العمل بالظن عن مثلها ، لأن الأخذ بالظنون الكلامية يرجع في الحقيقة إلى الأخذ بالقطع القائم على اعتبارها ، فمثل قوله تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً * لا يشمل المقام . ولقد أفاد وأجاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه حيث قال : فرض وجود الدليل على حجيّة الظواهر موجب لعدم ظهور الآيات الناهية في حرمة العمل بالظواهر . « 2 » ومما تقدم يظهر أنّ الاستظهار المعتبر في الالفاظ والكلمات هو الذي يكون ظاهرا بحسب المتفاهم العرفي في مرادات المتكلم ، فإذا كان لفظ ظاهرا عرفا في المعنى المراد ، وادّعى شخص ظهوره في معنى آخر فلا مجال للأخذ بظنه الشخصيّ في تعيين مراد المتكلم ، ولا يكفي الإتيان به في مقام الامتثال : إذا الظن الشخصيّ لا دليل على حجيته ، لما عرفت من أنّ الحجة هو الظهور العرفي ، والظهور العرفي لا يتعدد بتعدد الآحاد والاشخاص ، بل هو قائم بالاستظهار النوعي .

--> ( 1 ) فرائد الأصول : 45 . ( 2 ) فرائد الأصول : 40 .