علي الفاضل القائيني النجفي

59

علم الأصول تاريخا وتطورا

العقل معتبرا بوجه من الوجوه ، مع انّه قد استفاضت الآيات القرآنية والأخبار المعصومية بالاعتماد على العقل والعمل على ما يرجّحه ، وانّه حجة من حجج اللّه سبحانه ، كقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 1 » في غير موضع من الكتاب العزيز أي يعملون بمقتضى عقولهم ( لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) « 2 » ( لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) « 3 » . . . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل وذمّ عكسه . وفي الحديث عن أبي الحسن « ع » حين سئل : فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ قال : فقال « ع » : العقل يعرف به الصادق على اللّه فيصدقه والكاذب على اللّه فيكذبه « 4 » . وفي آخر عن الصادق « ع » قال : حجة اللّه على العباد النبي ، والحجة فيما بين العباد وبين اللّه العقل « 5 » . وفي آخر عن الكاظم « ع » : يا هشام انّ للّه على الناس حجّتين : حجة ظاهرة ، وحجة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأمّا الباطنة فالعقول « 6 » . قلت : لا ريب انّ العقل الصحيح الفطري حجة من حجج اللّه سبحانه ، وسراج منير من جهته جلّ شأنه ، وهو موافق للشرع ، بل هو شرع من داخل كما انّ ذلك شرع من خارج ، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة ، وتتصرّف فيه العصبية أو حبّ الجاه أو نحوهما من الأغراض الكاسدة ، وهو قد يدرك الأشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له ، وقد لا يدركها قبله ويخفى عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفا له ومبيّنا ، وغاية ما تدلّ عليه هذه الأدلة مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الأوهام العاري عن كدورات العصبية ، وإنّه بهذا المعنى حجة الهية ، لادراكه بصفاء نورانيته وأصل فطرته بعض الأمور التكليفية ، وقبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها ، وهو أعمّ من أن يكون بادراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت .

--> ( 1 ) - سورة الرعد ( 13 ) : 5 . ( 2 ) - سورة الرعد ( 13 ) : 4 . ( 3 ) - سورة آل عمران ( 3 ) : 188 . ( 4 ) - الكافي كتاب العقل والجهل ح 20 . ( 5 ) - الكافي كتاب العقل والجهل ح 22 . ( 6 ) - الكافي كتاب العقل والجهل ح 12 .