علي الفاضل القائيني النجفي
55
علم الأصول تاريخا وتطورا
وأمّا الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافع دينية ، وقد اتهمت العقل لحساب الشرع لا لحساب التجربة ، فلم يكن من الممكن أن تؤدّي مقاومتها للعقل إلى انكار الشريعة والدين . ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن - في رأي كثير من ناقديها - تناقضا ، لأنّها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي ، وظلّت من ناحية أخرى متمسكة به لا ثبات عقائدها الدينية ، لأنّ اثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي بل يجب أن يكون عن طريق العقل « 1 » . إنّ التناقض الذي أشار اليه السيد الشهيد بقوله : « ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن - في رأي كثير من ناقديها - تناقضا » . الظاهر ينافي قول المحدث الاسترآبادي فانّه يرى انحصار الدليل في غير الضروريات في السماع عن الشريعة ، فالضروريات والأحكام البديهية العقلية لا تحتاج سماعها من الشرع بل العقل الفطري والحكم الضروري بنفسه دليلا قاطعا وإليك نصّ عبارة الأمين الاسترآبادي : إنّ العلوم النظرية قسمان : قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس ، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب ، وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار ، والسبب في ذلك انّ الخطأ في الفكر امّا من جهة الصورة أو من جهة المادة ، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة من الأمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة ، ولأنّهم عارفون بالقواعد المنطقية ، وهي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة ، والخطأ من جهة المادة لا يتصوّر في هذا العلوم ، لقرب المواد فيهما إلى الإحساس . وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الإحساس ، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية ، وعلم الكلام ، وعلم أصول الفقه ، والمسائل النظرية الفقهية ، وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ، كقولهم : الماهية لا تتركب من أمرين متساويين ،
--> ( 1 ) - المعالم الجديدة / 43 - 45 .