محمد جواد مغنية
80
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
البلوغ ، وان ابن سينا أفتى الناس في بخارى وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، وانه أحاط بعلوم عصره كلها وهو يافع ، أما المعري فأعجب العجب . وكان اينشتين ابن أربع سنوات حين رأى البوصلة وابرتها الممغنطة وقال : ان ثمة أشياء في الطبيعة وراء هذه العودة المتحركة ، وكان في سن ال 12 حين أتى بأول نظرية جديدة له وهي التي فرق فيها بين ما هو هندسي وما هو طبيعي . وإذن فلا غرابة في إمامة الجواد والهادي . التكليف متعلق بالطبيعة أو بالأفراد إذا أمر الشارع بشيء كقوله : صل - فهمنا من أمره أن المطلوب طبيعة الصلاة وايجادها في الخارج سواء أتمثلت في الفرد الأعلى أم الأدنى « 1 » . فالمهم الامتثال والخروج عن عهدة التكليف . وإذا نهى عن شيء كقوله : لا تكذب فهمنا من نهيه ان المطلوب مجرد الترك لطبيعة الكذب بشتى أفراده الضار منها والنافع . وهكذا يفهم كل الناس من الأمر والنهي إذا أطلقا من غير قرينة . ولا ينبغي الإشكال والخلاف في هذه الحقيقة بعد ثبوتها بالحس والوجدان . وقال الأصوليون : أجل لا خلاف في أن التكليف بظاهره متعلق بالطبيعة ، ولكن هل المطلوب أولا وبالذات وفي نفس الأمر والواقع هو الفرد الخارجي الذي تصدق عليه الطبيعة أما هي فغير مطلوبة لنفسها ، بل كوسيلة للتعبير عن المطلوب ، أو ان المطلوب أولا وواقعا هو نفس الطبيعة الشاملة لكل فرد ، وحيث إن الطبيعة لا توجد إلا بوجود أفرادها - اعتبر الفرد كوسيلة للامتثال وكفى . وقال بعض المؤلفين : إن النزاع هنا لفظي لا جدوى وراءه ، لأن نتيجة القولين واحدة ما دامت الطبيعة لا توجد إلا بوجود أفرادها ! ويمكن أن يكون
--> ( 1 ) أجمع الفقهاء والأصوليون على أن الاتيان بأي فرد من طبيعة المأمور به فهو كاف واف في الطاعة والامتثال ، لأن الأمر يسري إلى كل أفراد الطبيعة بقرينة عامة يسمونها مقدمات الحكمة ، وتتلخص بأن يكون متعلق الأمر قابلا للانقسام ولا قرينة على التخصيص ، وأن يكون المتكلم في مقام البيان ، ويأتي التفصيل في باب المعلق والمقيد ان شاء اللّه .