محمد جواد مغنية
75
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
ظاهره الشمول والاطلاق بحيث يدوم لولا النسخ ، ثم ورد نهي عن هذا الفعل المأمور ، إذا كان ذلك نظرنا : فإن علمنا لسبب أو لآخر بأن الشارع قد حرّم أو أباح بعد أن أوجب - فذاك المتبع ، وان علمنا بأن الشارع رفع الوجوب وكفى ، وشككنا في أنه حرّمه أو أباحه بهذا النسخ فهل لنا أن نستفيد الإباحة الشرعية من دليل الناسخ أو المنسوخ أو منهما معا ؟ . والحق انه لا عين ولا أثر لهذه الدلالة في شيء منهما من قريب أو بعيد ، وان كل ما يدل عليه النسخ هو رفع الإلزام بالفعل وكفى . استصحاب الجواز وقال قائل : أجل لا أصل لفظيا هنا يثبت الجواز والإباحة ، ولكن نثبت جواز الفعل بأصل عملي ، وهو الاستصحاب حيث نعلم يقينا أن الفعل قبل النهي كان جائزا ، لأن كل واجب يجوز فعله ويحرم تركه ، وبعد النهي نشك هل ارتفع الجواز والمنع معا ، أو ارتفع المنع دون الجواز ، نشك في ذلك لعلمنا بأن المركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه تماما كما ينتفي بانتفائها جميعا . وبالعلم السابق والشك اللاحق يتم الاستصحاب ويثبت الجواز . الجواب : أولا : ان مفهوم الوجوب بسيط لا تركيب فيه ، والنسخ يقتلعه من الجذور ، ولا يبقي له باقية من جزء أو شرط أو أثر . ثانيا : ان الشرط الأساسي في الاستصحاب أن يكون المشكوك عين المتيقن ، فإن اختلف الموضوع وتعدد فلامكان للاستصحاب . وهذا الشرط غير متوفر فيما نحن فيه ، لأن لجواز الفعل أربع حالات : الأولى وجوده في ضمن الواجب ، والثانية ضمن المندوب ، والثالثة ضمن المكروه ، والرابعة ضمن المباح بالمعنى الأخص أي ما تساوى طرفاه فعلا وتركا ، وكل جواز من هذه الأربعة غير الآخر ومباين له . ونحن نعلم أن جواز الفعل الذي كان ضمن الواجب قد ارتفع يقينا ، وان الذي نحتمل حدوثه ونشك في أصل وجوده هو جواز الفعل في