محمد جواد مغنية

44

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

الحال والماضي والاستقبال وتسأل : كيف يمكن الجمع بين قول الأصوليين : المشتق لا يدل على الزمان ، وقولهم : هو حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ في الحال ، ومجاز فيمن تلبس به في الاستقبال اتفاقا ، ومحل الخلاف فيمن تلبس به في الماضي ، فمن قائل بأنه مجاز ، وقائل بأنه حقيقة في القدر المشترك بين الماضي والحال ؟ . الجواب : أراد الأصوليون بالتلبس هنا مجرد اتصاف الذات بالمعنى ومباشرتها له في أي زمان ، ومرادهم بالمبدأ المعنى والمصدر الذي انبثق منه الوصف ، وأما الحال الذي أوقع السائل وغيره في الالتباس - فإن الأصوليين لا يريدون به الزمان ، ما في ذلك ريب ، وانما يريدون حالة اتصاف الذات بالمعنى وتلبسها به ، ومباشرتها له بصرف النظر عن زمان الاتصاف والتلبس تماما كما تقول : قبض على فلان بالجرم المشهود ، أي حال مباشرته الجريمة بصرف النظر عن زمن حدوثها . أجل ، ان المراد هنا بكل من الماضي والاستقبال - الزمان ، ولكن على أنه ظرف لاتصاف الذات بالمبدأ والمصدر الذي انبثق منه الوصف ، وليس قيدا له ( أي لمدلول المشتق ) . وهذا الظرف الذي حدث فيه الاتصاف قد يكون مقارنا لزمن النطق ، وقد يكون سابقا عليه ، أو لاحقا له . وبناء على أن الزمان ليس قيدا لمدلول المشتق نتساءل : إذا أطلقنا المشتق على الذات المتصفة بمصدره ومبدأه ، وأردنا انها كذلك في زمان معين من الأزمنة الثلاثة - فهل يكون هذا الاطلاق حقيقة أم مجازا ؟ والجواب عن هذا التساؤل يستدعي التفصيل التالي : 1 - أن نطلق المشتق على الذات لمجرد أنها قد اتصفت به في آن ما ، مثل فاعل السوء مجزي به ، والسارق يقطع ، والزاني يجلد ، ومن عبد صنما لا يكون إماما . وهذا النحو من الإطلاق حقيقة بالاتفاق ، وخارج عن موضوع البحث . 2 - أن نطلق كلمة ضارب على زيد - مثلا - قبل أن يباشر الضرب ، نطلقها عليه لمجرد الحكاية والإخبار بأنه سيكون ضاربا غدا . وقد اتفقوا على أن مثل هذا الاطلاق حقيقة حيث لاحظنا واعتبرنا حالة الاتصاف والتلبس الآتية ،