محمد جواد مغنية

40

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

وان ألفاظها تعم وتشمل الصحيح وغيره عند طائفة من العلماء ، وعلى قولهم جاز التمسك بالاطلاق ، وتقدم التفصيل . أما المعاملات فلا جديد للشارع فيها ، بل هي باقية على معانيها القديمة ، والشارع أمضى وأقر الناس في معاملاتهم مع بعض التقليم والتطعيم . ومعنى هذا ان كل ما هو سبب عند العرف للملك أو الإسقاط أو الالتزام ونحو ذلك فهو أيضا سبب عند الشارع إلا ما خرج بالدليل كبيع الملامسة والمنابذة . ومن الأدلة على أن الشارع أمضى الأسباب العرفية قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ - 1 المائدة » أي اعملوا بموجب كل ما يراه الناس عقدا ، والتزموا بآثاره ، وقريب من هذه الآية قوله تعالى : « فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ - 181 البقرة » . ومن هنا اتفق العلماء قديما وحديثا على مبدأ عام هو أن التعيين بالعرف تماما كالتعيين بالنص في الموضوعات العرفية وآثارها إلا ما خرج ، وفرعوا على هذا المبدأ ان أي لفظ تكلم به راشد مختار ، وصدق عليه عرفا العنوان الذي تعلق به حكم شرعي - فعليه طاعته والالتزام به ، وإذا شككنا في قيد زائد عما صدقت عليه التسمية أخذنا بإطلاق الاسم ، ونفينا الزائد . وعليه فالنزاع الجاري في العبادات من أن ألفاظها اسام للصحيح أو للأعم ، هذا النزاع لا يجري بحال في المعاملات ، لأن المدرك الوحيد للتمسك بإطلاقها هو التسمية العرفية ، فإن وجدت تحقق موضوع الاطلاق ، وأخذ به بالاتفاق لنفي الزائد ، وان فقدت التسمية فلا موضوع للاطلاق من الأساس حتى نتمسك به . وقد يقول قائل : أجل ، ان هذا النزاع لا يجري في المعاملات إذا كان في الصحة الشرعية ، وهل هي جزء من معنى لفظ المعاملة أو ليست بجزء ؟ إذ المفروض انه لا حقيقة شرعية ولا متشرعية في المعاملات ، أما إذا جعلنا النزاع في الصحة العرفية ، وهل هي جزء من المعنى العرفي أو غير جزء - فإن النزاع يجري يقينا في المعاملات حيث تتحقق التسمية العرفية على القول بالأعم ، وحينئذ نتمسك بالاطلاق ، ولا تتحقق التسمية على القول بالصحيح فقط فلا إطلاق تماما كما هي الحال في العبادات .