محمد جواد مغنية
14
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
يتعدى اليه الأمر ويتعلق به تماما كالمهندس حين يتكلم عن المربع من حيث هو ذهبا كان أم خشبا . أما الفقيه فإنه ينظر إلى ما تعدى اليه الأمر وتعلق به ، ويفتي بموجبه تماما كعالم الطبيعة ، ومن هنا قيل : ان نتيجة القضية الأصولية كلية ، ونتيجة القاعدة الفقهية جزئية . الموضوع تكلم المولعون بنقل الخلاف ، وأطالوا الكلام حول موضوع علم الأصول : هل هو الأدلة الأربعة : الكتاب والسنة والإجماع والعقل بما هي أدلة ، أو بما هي هي بصرف النظر عن وصف الدلالة ، أو « لا موضوع لعلم الأصول واقعا » على حد تعبير الشيخ الفياض المقرر لدرس السيد الخوئي ، أو « لا لزوم للموضوع ولا دليل عليه » كما في أصول المظفر . وقام جدال حام حول هذه الأقوال ولم يقعد ! وليس هذا الأسلوب من مذهبي في شيء . والذي أفهمه ببساطة ان موضوع كل علم هو عين المسائل التي يبحثها ذلك العلم كباب المبتدأ أو الخبر ونحوه في علم النحو ، ومبحث التصورات والتصديقات والقياس في علم المنطق . وعليه فكل بحث يتصل بمبدإ من مبادئ الاستنباط لحكم من أحكام الشريعة فهو من مسائل علم الأصول وموضوعه في الصميم . وقد يقع البحث في علم الأصول في شكل الاستنباط من الأصل وعمليته ، لا في اعتباره وكونه حجة لازمة ، لأن اعتباره وحجته ثبتت بضرورة الدين . ومن البديهي ان الضرورات لا يبحث العلم عنها ، ومن هذا النوع الذي ثبتت حجته بضرورة الدين ، الأصول الأربعة : الكتاب والسنة والإجماع والعقل . وقد يقع البحث في أن هذا الشيء : هل هو أصل من أصول الفقه يتوصل به إلى معرفة الحلال والحرام ، أوليس بأصل ؟ كالبحث عن حجية خبر الواحد والقياس والشهرة والإجماع المنقول والاستصحاب والبراءة وغير ذلك . والحق ان البحث في هذا النوع يرجع أيضا إلى البحث عن شؤون الأصول الأربعة وما يستفاد منها ، لأن قولنا : هل خبر الواحد أو القياس حجة - مثلا - معناه هل يوجد دليل من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع أو العقل ، على أن القياس أو خبر الواحد أصل من أصول الفقه حيث لا دليل هنا إطلاقا وراء هذه الأصول الأربعة ؟