محمد جواد مغنية
115
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
لمكان النهي عنها وإلا تصح حيث لا نهي . هكذا قيل ، ويأتي التفصيل . ولمجرد التوضيح نعرض هذا المثال : أن يأمر الشارع بإنقاذ الغريق ، ويقدمه على كل عبادة لأنه في نظره أهم وأفضل ، ولكن المكلف القادر على غوث الغريق تركه لعسره وتراكم الأمواج ، وانصرف إلى الصلاة . فهل تقبل منه وتصح ، أو ترد لأنها محرمة عليه ؟ . قال جماعة من الفقهاء : ان الحكم بصحة هذه الصلاة أو عدم صحتها يتوقف على العلم بأن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا يقتضيه ؟ فعلى القول بالاقتضاء تكون الصلاة باطلة لمكان النهي عنها ، وهو يدل في العبادة على فسادها . وعلى القول بعدم الاقتضاء تكون الصلاة صحيحة حيث لا نهي يفسدها ويبطلها . ولكن إذا استطعنا أن نثبت بالدليل أن هذه الصلاة فاسدة حتى ولو كان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده ، كما يرى الشيخ البهائي ، أو استطعنا أن نثبت صحتها حتى ولو كان الأمر يقتضي النهي ، إذا أمكن ذلك لم يكن وراء هذا البحث والخلاف أية جدوى . ويتلخص قول البهائي بأن العبادة لا تصح إلا بقصد الأمر المتعلق بها بالخصوص ، ولا أمر بصلاة تضاد الواجب الأهم وتنافره كإنقاذ الغريق ، لأن الأمر بالصلاة مع الأمر بالانقاذ معناه طلب الإتيان بالضدين معا في بعض الحالات ، وهذا محال لمكان التكليف بما لا يطاق ، وإذا لم تكن هذه الصلاة مأمورا بها فلا مبرر لصحتها حتى ولو قلنا بعدم النهي عنها . وبكلمة : ان فساد العبادة على رأي البهائي لا ينحصر بالنهي عنها ، بل لذلك ولعدم الأمر بها أيضا ، بالإضافة إلى أن الأصل عدم صحة الصلاة في مثل هذه الحال . وقال آخرون : كلا ، إن هذه الصلاة صحيحة حتى ولو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده ، وذلك بأن مجرد النهي عن العبادة لا يستلزم أن تكون ممنوعة تحت طائلة الفساد والبطلان ، بل ينظر : إن كان النهي عنها ذاتيا لنقص فيها بالخصوص فعندئذ يكون النهي ناتجا ومسببا عن الفساد ، أما إذا كانت كاملة من كل وجه ، متوافرا فيها كل ما يريده الشارع فتكون ، وهذه هي الحال ، محبوبة له ومهمة عنده لا محالة . فإذا صادف وزاحمها واجب أهم وأحب لدى الشارع ونهي عنها من أجل