عبد الجبار الرفاعي

433

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

مضافا إلى أن اللّه تعالى قد تعمد اجماله ، حتى يؤكد حاجة الناس إلى المعصوم ؛ لأنه لو كان القرآن واضحا لما رجع الناس للمعصوم . إذا هذه الدعوى تقوم على انكار وجود ظهور في القرآن الكريم ، فاللّه سبحانه وتعالى الذي انزل القرآن أنزله غير ظاهر ، إما لان اللّه تعالى أراد ذلك لكي يلزم الناس بالرجوع إلى المعصوم ؛ لأن القرآن لو كان ميسرا لعامة الناس فإنهم لا يعودون إلى المعصوم ، أو لأن القرآن بطبيعته ذو مضمون عميق ودقيق ؛ لأنه كلام اللّه تعالى ، فلا يتيسر فهمه لعامة الناس ؛ لأن استعداد الناس العقلي قاصر عن فهم القرآن الكريم . وفي الجواب عن ذلك يمكن القول : من المستبعد جدّا وجود مثل هذا التعمد ، بل ننفي هذا التعمد ونجزم بأن اللّه تعالى لم يتعمد ان يجمل القرآن ؛ لأنه يقول بصراحة ان القرآن تبيان لكل شيء وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ النحل / 89 ، هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ آل عمران / 138 ، وغير هذه الآيات التي وصفت القرآن بأنه بصائر ، وضياء ، ونور . لاحظ تارة يعبر تعالى عن القرآن بأنه بصائر ، وأخرى بأنه ضياء ، أو نور ، أو تبيان لكل شيء ، وهذا يعني ان اللّه تعالى لم يتعمد ابهام القرآن ، وإلّا لما كان وصفه اللّه تعالى بهذه الأوصاف ، باعتبار انه كيف يكون القرآن بصائر ، وضياء ، ونورا ، وهو مبهم ، بل كيف يكون تبيانا لكل شيء وهو غامض وغير بيّن ؟ ! وهذه الدعوى التي ترى ان اجمال القرآن وابهامه ضروري لربط الناس بالامام غير صحيحة ؛ لأن الإمامة متفرعة على النبوة ، والنبوة متفرعة على التوحيد ، فلا بد للانسان من أن يصدق بالتوحيد ، وفرع التصديق بالتوحيد هو التصديق بالوحي والكتاب والنبوة ، والتصديق بالنبوة الخاصة والعامة أحد وسائله الكتاب الكريم وفهمه .