عبد الجبار الرفاعي

305

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

ما يصدق على العقلاء يصدق على الشارع ، ويصدق على العقلاء أن سيرتهم قامت على العمل بخبر الثقات ، فهي سيرة للشارع أيضا . غير أن هذا الكلام غير تام ؛ لأننا وإن سلمنا بالكبرى ، وهي ان الشارع سيد العقلاء ، ولكن الشارع غير العقلاء ، فكونه سيد العقلاء لا يعني انه مطابق لهم في كل شيء ، وانما يعني ذلك أنه يتميز عن العقلاء ؛ لأن مناشئ سلوك العقلاء ليست كلها عقلية ، وحكيمة ؛ باعتبار الظواهر الاجتماعية القائمة في حياة المجتمعات ، تتداخل في تكوينها مجموعة ظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية وجغرافية ، وليس كل ما هو موجود وظاهر في حياة العقلاء ناشئا من حكمة وعقل ، مما يوجب تخطئة الشارع للعقلاء في غير ما يعود للمدركات الفطرية السليمة العقلية ، التي لا شك فيها ، والناشئة من العقل ، وأما بقية أنواع السلوك ، والنماذج الأخرى من السيرة ، التي تكون لها مناشئ مختلفة ، فالشارع يختلف فيها عن العقلاء . وعلى هذا الأساس لا يصح ما ذهب اليه بعض الأصوليين في تقريب هذه الدلالة ، من أن الشارع لما كان سيد العقلاء ، إذا ما يصدق على العقلاء يصدق على الشارع ، بل الصحيح هو ان سيرة العقلاء إذا سكت عنها الشارع يدل ذلك على أنها ممضاة منه ، وإلا لو كان للشارع سيرة مغايرة لسيرة العقلاء لنبه عليها .