عبد الجبار الرفاعي
24
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
وبتعبير آخر : إنّ الفقه ابتداء نشأ في أحضان علم الحديث ، وإنّ علم الأصول نشأ في أحضان علم الفقه ؛ لانّ الفقه بدأ بدايات بسيطة ، ثم بعد تنوع مشكلات الحياة وكثرة الأسئلة الحياتية ، وجد الفقهاء حاجة إلى التوسع في التفريع ، فتفرّعوا في الإجابة عن المسائل المختلفة ، وبسبب عملية التفريع والتوسع في الفقه ، احتاجوا إلى الاستعانة بقواعد عامة ، حتى يتمكنوا من التفريع بشكل واسع ويستنبطوا أحكاما شرعية متنوعة لمختلف وقائع الحياة المستجدة والمتغيرة والمختلفة ؛ ولهذا وجدت علاقة تفاعلية بين الفقه والأصول ، فكلما تطورت عملية الاستنباط وكلما تطورت عملية البحث الفقهي تطورت تبعا لها عملية البحث الأصولي أيضا . فالفقيه عندما يتوسع في عملية الاستنباط أفقيا وعموديا ، يحتاج إلى أدوات وعناصر عامة ، تعينه في عملية الاستنباط . وعلى هذا الأساس توسع علم الأصول تبعا لتوسع علم الفقه ، أو توسع علم النظرية تبعا للتوسع في عملية التطبيق . وفي ضوء ذلك يمكن أن نقول : إنّ علم الأصول هو العلم الذي يمعنى بتقديم القواعد العامة في عملية الاستنباط ، مثلما هو علم المنطق الذي مهمته الأساسية هي تقديم القواعد العامة والقواعد الكلية لعملية التفكير الصحيح ، فعلم المنطق لا يقدم قواعد عقلية خاصة بعلم دون علم ، أو بفن دون فن ، وبفكر دون فكر ، وإنما يهتم بكشف القواعد العقلية العامة لعملية التفكير الصحيح . وعلم الأصول يقوم بتأمين القواعد العامة ، ولكن في دائرة الاستنباط الفقهي ، أي التفكير الفقهي خاصة ، وليس في كلّ عملية تفكير . وعلى هذا الأساس تكون لعلم الأصول فائدة أساسية في عملية الاستنباط ؛ علم الأصول هو منطق الفقه .