الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

53

شرح الحلقة الثالثة

الثالث : الحكومة المضمونيّة ، ومعناها أن يكون مضمون أحد الدليلين قد لوحظ فيه مضمون الدليل الآخر تقديرا ، كما في قوله : « لا ضرر ولا ضرار » الحاكم على أدلّة الأحكام الأوّليّة ، فإنّه قد افترض فيه أنّ تلك الأدلّة إن أدّت إلى حكم ضرري فهو منتف ، أي أنّه ناظر إلى مضمون الدليل المحكوم على فرض حصوله . وهكذا بالنسبة لدليل : « لا ينجّس الماء ما لا نفس له » الحاكم على أدلّة النجاسة ، فإنّه يفترض أنّ تلك الأدلّة في حال تحقّق هذا المورد فتكون منتفية عنه ، أي أنّه ينفيها على فرض حصولها في هذا المورد . وإذا قارنّا بين الاتّجاهين أمكننا أن ندرك فارقين أساسيّين : أحدهما : أنّ حكومة الدليل الحاكم على الاتّجاه الثاني تتوقّف على إثبات النظر ، وأمّا على الاتّجاه الأوّل فيكون الدليل الحاكم بمثابة الدليل الوارد ، وقد مرّ بنا في الحلقة السابقة « 1 » أنّه لا يحتاج تقدّمه على دليل إلى إثبات نظره إلى مفاده بالخصوص ، بل يكفي كونه متصرّفا في موضوعه . الفارق بين الاتّجاهين : يوجد فارقان أساسيّان بين الاتّجاهين المذكورين في تفسير الملاك والمناط للحكومة : الفارق الأوّل : أنّه على الاتّجاه الثاني الذي اختاره السيّد الشهيد يكون الملاك في الحكومة هو النظر ، ولذلك نحتاج إلى إثبات النظر بأحد الطرق المتقدّمة سابقا لتقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم ، وأمّا إذا لم يحرز النظر بأن قطع بعدمه أو شكّ فيه فلا حكومة بين الدليلين إمّا جزما وإمّا لكون الشكّ شكّا في الشبهة المصداقيّة . وعلى هذا الاتّجاه نعرف أنّ الفارق بين الحكومة والورود يكون في أمرين : الأوّل : أنّ الحكومة يشترط فيها النظر بينما الورود لا يشترط فيه النظر . الثاني : أنّ الحكومة تنفي أو تثبت الموضوع ادّعاء وتعبّدا لا حقيقة ، بينما الورود ينفي أو يثبت الموضوع حقيقة . وأمّا الاتّجاه الأوّل الذي اختاره الميرزا ومدرسته من كون الملاك في الحكومة هو أنّ الدليل الحاكم فيه خصوصيّة إضافيّة زائدة عمّا هو موجود في الدليل المحكوم ، فالمهمّ هو إحراز وجود مثل هذه الزيادة والإضافة سواء كان ناظرا إلى الدليل المحكوم أم لا ،

--> ( 1 ) في بحث التعارض ، تحت عنوان : الحكم الأوّل قاعدة الجمع العرفي .