الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

51

شرح الحلقة الثالثة

فإن نصب القرينة لتحديد مراده النهائي فإن كانت في دليل متّصل فتقدّم أنّه لا يوجد تعارض أصلا ؛ لأنّه لن ينعقد للكلام الأوّل ظهور مستقلّ عن القرينة ، بل ينعقد الظهور من أوّل الأمر على طبق القرينة ، ممّا يعني أنّ القرينة تعتبر صارفة لظهور ذي القرينة رأسا ، وتكون حجّيّة الظهور ابتداء موضوعها الظهور الذي انعقد على طبق القرينة ، كما في قولنا : ( أكرم العلماء والنحوي ليس بعالم ) . وأمّا إن كانت القرينة منفصلة بأن جاء بكلامين مع فاصل زماني بينهما فقال : ( أكرم العلماء ) ، ثمّ قال : ( النحوي ليس بعالم ) أو ( المتّقي عالم ) ، فهنا ينعقد للكلام الأوّل ظهور وينعقد للكلام الثاني ظهور أيضا ، ويقع التعارض بين الظهورين ، ولكن لمّا كان المتكلّم له الحقّ بأن يحدّد مراده النهائي وفق القرينة سواء كانت متّصلة أم منفصلة - وهذا الحقّ ثابت له على أساس أنّ العرف يرى ذلك - فتكون القرينة المنفصلة في الكلام الثاني رافعة لموضوع الحجّيّة عنه . بمعنى أنّ حجّيّة الظهور في الكلام الأوّل سوف تنهدم وترتفع لوجود المعارض الأقوى ، وهو القرينة الشخصيّة التي أعدّها المتكلّم بنفسه وكان من خلال الكلام الثاني ناظرا إلى الكلام الأوّل ومبيّنا لمراده الجدّي النهائي منه . والحاصل : أنّ حجّيّة الظهور مقيّدة بأن لا ينصب القرينة على الخلاف ، فإذا نصب القرينة على الخلاف كانت رافعة لحجّيّة الظهور فيما إذا كانت منفصلة ، وكانت هادمة لأصل الظهور فضلا عن حجّيّته إذا كانت متّصلة . وبذلك نعرف أنّ ملاك الحكومة هو النظر الشخصي للمتكلّم بحيث يكون قد أعدّ الكلام الثاني ليكون قرينة على تفسير مراده النهائي ، ولذلك يتقدّم الدليل الحاكم وفقا لتقدّم القرينة على ذي القرينة . ثمّ إنّ النظر الذي هو ملاك التقديم يثبت بأحد الوجوه التالية : الأوّل : أن يكون مسوقا مساق التفسير بأن يقول : أعني بذلك لكلام كذا ، ونحو ذلك . الثاني : أن يكون مسوقا مساق نفي موضوع الحكم في الدليل الآخر ، وحيث إنّه غير منتف حقيقة فيكون هذا النفي ظاهرا في ادّعاء نفي الموضوع وناظرا إلى نفي الحكم حقيقة .