الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
14
شرح الحلقة الثالثة
وهكذا نعرف أنّ التعارض المصطلح يقوم دائما بين الأدلّة المحرزة . وبناء على ما تقدّم نقول : إنّه لا تعارض بين الأصلين العمليّين بذاتيهما ، وإنّما التعارض بينهما بلحاظ الدليلين الدالّين عليهما ، ولا تعارض أيضا بين الأصل العملي والدليل المحرز وإنّما التعارض بينهما بلحاظ الدليل الدالّ على الأصل العملي مع الدليل المحرز نفسه ، فهنا أمران : الأوّل : عدم وقوع التعارض بين الأصلين أنفسهما ورجوعه إلى الدليلين الدالّين عليهما ، وهذا ما تقدّم بيانه سابقا . الثاني : عدم وقوع التعارض بين الأصل العملي والدليل المحرز كما إذا تعارضت البراءة في مورد مع خبر الثقة ، أو تعارض الاستصحاب مع خبر الثقة ، فهنا لا تعارض بين نفس الاستصحاب كأصل عمليّ وبين خبر الثقة كدليل محرز ؛ وذلك لأنّ الأصل العملي كما تقدّم لا يحكي ولا يكشف عن المدلول والجعل الشرعي ، وإنّما يحدّد ويسجّل الوظيفة العمليّة للشاكّ فقط . ولكن لو لاحظنا الدليل المحرز الدالّ على الاستصحاب كالروايات التي استعرضناها سابقا في بحث الاستصحاب ، وجدنا أنّه يوجد تعارض بين تلك الروايات وبين الأدلّة الدالّة على حجّيّة خبر الثقة ، فإنّ الروايات الدالّة على الاستصحاب تجعل له الحجّيّة في مورده ، وكذا الروايات الدالّة على خبر الثقة أو السيرة العقلائيّة الممضاة الدالّة عليه تجعل له الحجّيّة في مورده ، فيقع التعارض بين الدليلين الدالّين على جعل الحجّيّة للاستصحاب ولخبر الثقة ، وحينئذ لا بدّ من علاج هذا التعارض من الجمع بينهما أو الترجيح أو التساقط . وبهذا يتّضح لنا أنّ موضوع التعارض الاصطلاحي هو الأدلّة المحرزة ، ولكن تارة يكون بين الأدلّة المحرزة مباشرة كما في التعارض بين خبرين مثلا أو التعارض بين رواية وآية ظنّيّة الدلالة . وأخرى يكون بين الأدلّة المحرزة بتوسّط التعارض بين الأصلين العمليّين أو الأصل العملي مع الدليل المحرز ، كما هو الحال في التعارض بين الأصلين الذي يستتبع التعارض بين الدليلين الدالّين عليهما ، وكما هو في مورد التعارض بين الأصل العملي والدليل المحرز فإنّه يرجع إلى التعارض بين دليل الأصل العملي مع الدليل المحرز .