الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
85
شرح الحلقة الثالثة
على البراءة ، وذلك للفرق بين عدم وجدان النبي وبين عدم وجداننا . وهو أنّ عدم وجدان النبي للحكم لا مبرّر له إلا عدم صدور البيان بشأنه ؛ إذ لو صدر البيان من الشارع لوصل إلى النبي ؛ لأنّه هو المبلّغ لأحكام الشارع ، فمن البعيد أو من غير المعقول صدوره من الله تعالى وعدم وصوله إلى النبي فيكون عدم وجدان النبي مساوقا لعدم الصدور إن لم نقل بأنّه مساوق لعدم الوجود الواقعي . إلا أنّ هذا المعنى لا يتحقّق بالنسبة إلينا دائما ؛ لأنّنا قد نشكّ في الحكم نتيجة عدم صدوره ، وأخرى نشكّ به نتيجة عدم وصوله بعد فرض صدوره من الشارع إجمالا ، والاحتمال الثاني هو الغالب في حقّنا ؛ لأنّ أحكام الشريعة تامّة ، فمع عدم وجداننا للحكم لا يعني هذا عدم صدوره ، بل لعلّه صدر من الشارع ولكنّه لم يصلنا لأجل ضياعه أو اختفائه علينا ، فعدم وجداننا أعمّ من عدم الصدور ؛ لأنّه يتلائم مع عدم الوصول أيضا ، بينما عدم وجدان النبي فهو على الأقلّ يتلاءم مع عدم الصدور إن لم نقل مع عدم الوجود الواقعي . وعليه فلا يتمّ استفادة البراءة ؛ لأنّنا نريد بها التأمين عن الحكم المشكوك عند عدم وصوله أيضا ، فالدليل أخصّ من المدّعى فلا يثبته . وثالثا : أنّ إطلاق العنان كما قد يكون بلحاظ أصل عملي قد يكون بلحاظ عمومات الحلّ التي لا يرفع اليد عنها إلا بمخصّص واصل . الاعتراض الثالث : أنّ الآية الكريمة من المحتمل أن تكون ناظرة إلى شيء آخر غير البراءة أو الإباحة الظاهريّة ، وذلك بأن يقال : إنّ الآية تفيد أنّ عمومات ما دلّ على الحلّيّة والإباحة الواقعيّة للمأكولات ولما أخرج من الأرض لا يرفع اليد عنها إلا مع وجود مخصّص قطعي واصل إلى المكلّف ، فيكون العامّ هو الحجّة لإفادة الحلّيّة والإباحة لا البراءة . فمثلا قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 1 » يدلّ على أنّ كلّ شيء مباح وحلال للإنسان إلا ما دلّ عليه الدليل الخاصّ القطعي ، ولا يرفع اليد عن هذا الدليل الاجتهادي لمجرّد الشكّ في المخصّص مع عدم وصوله
--> ( 1 ) البقرة : 59 .