الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
40
شرح الحلقة الثالثة
السابق « 1 » - متنافية بوجوداتها الواقعيّة ، فإذا جرت البراءة عن الحجّيّة المشكوكة وفرض أنّها كانت ثابتة يلزم اجتماع حكمين ظاهريّين متنافيين . اعتراض على إجراء براءة ثانية عند الشكّ في الحجّة الظاهريّة ، بأنّه تقدّم سابقا أنّ الأحكام الظاهريّة كالأحكام الواقعيّة متنافية . فكما أنّ الوجوب والحرمة الواقعيّين متنافيان بلحاظ الملاكات والمبادئ ، كذلك الأحكام الظاهريّة فإنّه لا يمكن اجتماع البراءة مع الاحتياط ؛ وذلك لما عرفنا في حقيقة الحكم الظاهري من أنّها خطابات لتعيين ما هو الأهمّ من الملاكات الواقعيّة عند الشكّ والاشتباه . وهذا يعني أنّ البراءة تكشف عن كون ملاكات الترخيص هي الأهمّ ، بينما الاحتياط يكشف عن كون ملاكات الإلزام هي الأهمّ ، وحيث لا يمكن الجمع بين هذين النحوين من الملاكات لتنافيهما فيكون اجتماع البراءة والاحتياط مستحيلا ؛ لأنّه يؤدّي إلى التكاذب بلحاظ الواقع الذي يحكيان عنه . ومن هنا يشكل على إجراء البراءة الثانية ؛ وذلك لأنّ الحجّيّة المشكوكة المحتمل كونها منجّزة للواقعة المشكوكة إذا كانت ثابتة شرعا فهذا يعني أنّ الملاكات الإلزاميّة هي الأهمّ بنظر الشارع ، بينما البراءة تحكي عن كون ملاكات الترخيص هي الأهمّ فيقع التكاذب والتنافي بينهما ، فجريان البراءة عن الحجّة المشكوكة يلزم منه اجتماع المتنافيين . نعم ، إذا لم تكن الحجّيّة المشكوكة ثابتة فلا تثبت إلا ملاكات الترخيص ، إلا أنّنا حيث لا نقطع بعدم الحجّيّة وإنّما نحتملها فنحن نحتمل التكاذب والتنافي ، واحتمال اجتماع المتنافيين ، كالقطع باجتماعهما مستحيل . وجواب الاعتراض : أنّ البراءة هنا نسبتها إلى الحجّيّة المشكوكة نسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي ؛ لأنّها مترتّبة على الشكّ فيها ، فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري والواقعي كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريّين طوليّين من هذا القبيل . وما تقدّم سابقا من التنافي بين الأحكام الظاهريّة بوجوداتها الواقعيّة ينبغي أن
--> ( 1 ) في مباحث التمهيد أيضا تحت عنوان : التنافي بين الأحكام الظاهريّة .