الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
82
شرح الحلقة الثالثة
متعلّق واحد كذلك ؛ إذ لا يعقل أن يكون شيء واحد محبوبا ومبغوضا وذا مصلحة وذا مفسدة في آن واحد من جهة واحدة . وأمّا التنافي بلحاظ المنتهى فالمقصود به التنافي بين الأحكام بلحاظ ما يتطلّبه كلّ حكم في عالم الامتثال ، فالوجوب مثلا يتطلّب ويستدعي أن يقوم المكلّف بالفعل ويهيّئ مقدّماته وكلّ ما يتوقّف عليه الفعل فهو يبعث نحو المتعلّق ، وأمّا الحرمة فهي تتطلّب أن يترك المكلّف الفعل وينزجر عنه ويترك حتّى المقدّمات التي تكون موصلة إلى الفعل . ومن المعلوم أنّ هذه المتطلّبات متنافية ولا يمكن للمكلّف أن يجمع بينها في متعلّق واحد ؛ إذ لا يمكنه الفعل وعدم الفعل في آن واحد . إذن اتّضح أنّ منشأ التضادّ بين الأحكام التكليفيّة هو أحد هذين اللحاظين المبدأ والمنتهى ، وهذا يتصوّر فيما إذا كان هناك حكمان تكليفيّان كالوجوب والحرمة واقعيّين أو ظاهريّين . وأمّا إذا كان الوجوب حكما ظاهريّا والحرمة حكما واقعيّا فلا تنافي بينهما ، وبيان ذلك : فإذا كانت الحرمة واقعيّة والوجوب ظاهريّا فلا تنافي بينهما في المبادئ ؛ لأنّنا نفترض مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله لا في المتعلّق المشترك بينه وبين الحكم الواقعي ، ولا تنافي بينهما في متطلّبات مقام الامتثال لأنّ الحرمة الواقعيّة غير واصلة - كما يقتضيه جعل الحكم الظاهري في موردها - فلا امتثال لها ولا متطلّبات عمليّة ؛ لأنّ استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول والتنجّز . إنّ الحرمة الواقعيّة والوجوب الظاهري لا تنافي بينهما لا بلحاظ المبدأ أي المبادئ ولا بلحاظ المنتهى أي الامتثال والمتطلّبات . أمّا أنّه لا تنافي بينهما بلحاظ المبادئ فلأنّنا نقول : إنّ مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله لا في المتعلّق . وتوضيحه : أنّ جعل الحجيّة للأمارات والأصول إنّما كان لأجل مصلحة في نفس هذا الجعل بقطع النظر عن الحكم الذي تحكي عنه وتؤدّي إليه ، فالأحكام الظاهريّة ليست تابعة للمتعلّق وما يشتمل عليه من مصالح أو مفاسد ومن محبوبيّة أو مبغوضيّة ، بل المصلحة موجودة في نفس جعل الحكم الظاهري ، فالاحتياط مثلا مجعول لمصلحة في نفس الاحتياط وهي التحفّظ على مصلحة الواقع على تقدير