الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

79

شرح الحلقة الثالثة

وعليه فالمنجّزيّة ثابتة للعلم وهو الكاشف التامّ ولا يمكن ثبوتها لخبر الثقة بنفسه ؛ لأنّه كاشف ناقص ولا يمكن جعلها له مباشرة من الشارع ؛ لأنّها ليست بيد الشارع جعلا ورفعا ، إلا أنّ الشارع لمّا جعل الحجيّة لخبر الثقة وتمّم له الكشف الناقص وجعله تامّا وبيانا وكاشفا فهذا يعني أنّه اعتبره علما ، وحينئذ تثبت له المنجّزيّة ؛ لأنّه من شؤون العلم سواء كان العلم حقيقيّا كالقطع أو كان العلم تعبّديا ومجعولا من الشارع كالأمارات . فهذا الإشكال ينحلّ بأنّ المجعول في الحكم الظاهري هو جعل الكاشفيّة والطريقيّة والعلميّة ، وبأنّ هذا الجعل ليس حكما تكليفيّا بل هو حكم وضعي ، فالحكم الواقعي واحد لا يتغيّر ولا يتبدّل أبدا ، ولذلك لا تضادّ ولا تماثل لأنّه لا يوجد حكمان تكليفيّان . والجواب على ذلك : أنّ التضادّ بين الحكمين التكليفيّين ليس بلحاظ اعتباريهما حتّى يندفع بمجرّد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من اعتبار الحكم التكليفي إلى اعتبار العلميّة والطريقيّة ، بل بلحاظ مبادئ الحكم كما تقدّم في الحلقة السابقة « 1 » . إنّ الجواب المذكور من المحقّق النائيني ( قدس سره ) لا يحلّ مشكلة اجتماع المثلين أو الضدّين ؛ وذلك لأنّ التضادّ بين الأحكام التكليفيّة كالوجوب والحرمة ليس بلحاظ الاعتبار ليقال مثلا بأنّ الحرمة حكم واقعي تكليفي والوجوب حكم ظاهري وضعي بمعنى جعل العلميّة والكاشفيّة التامّة ؛ لما تقدّم من أنّ الاعتبار سهل المئونة ؛ إذ ليس هو إلّا مجرّد صياغة إنشائيّة لمبادئ الأحكام بما تشتمل عليه من مصلحة أو مفسدة ومن محبوبيّة أو مبغوضيّة . فمجرّد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من كونه تكليفيّا إلى كونه علما وطريقا لا يفيد في حلّ الإشكال ؛ لأنّه إنّما يتعرّض لعالم الاعتبار والذي لا تضادّ فيه بين الأحكام التكليفيّة . وإنّما التضادّ بين الحكمين التكليفيّين يتصوّر بلحاظ المبادئ ، بأن يكون واقعا يوجد ملاكان أحدهما المصلحة والمحبوبيّة والآخر المفسدة والمبغوضيّة للشيء الواحد ، فإنّ ثبوتهما معا محال ؛ لأنّهما متضادّان لا يعقل وجودهما في واقعة واحدة معا . فيبقى الإشكال المذكور على حاله ولذلك قال السيّد الشهيد :

--> ( 1 ) ضمن بحث ( الحكم الشرعي وأقسامه ) من مباحث التمهيد ، تحت عنوان : التضادّ بين الأحكام التكليفيّة .