الشيخ ناجي طالب آل فقيه العاملي

47

دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة )

--> أهمّيتها في نظره ، وقد أشار إلى ذلك الهداة الميامين ( عليهم السلام ) ، نكتفي باثنتين منها لوضوح الأمر وهما : 1 - ورد بطرق العامّة أنّ الرسول الأعظم خطب الناس فقال : « ايّها النّاس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا » ، فقال رجل : أكلّ عام يا رسول الله ؟ فسكت صلى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « لو قلت نعم لوجب ، ولما استطعتم » ، ثمّ قال : « ذروني ما تركتكم ، فانّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » ( محاضرات السيد الخوئي ج 2 ص 477 ) . 2 - وفي نهج البلاغة : قال ( عليه السلام ) : « إنّ الله افترض عليكم الفرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها » ( جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 330 ) . ورواها في الفقيه بمتن شبيه بالمذكور قال : « . . . وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها » ( المصدر السابق ) . وهذا كلّه اقرار بل إرشاد للناس للاستفادة من حكم العقل بالبراءة . وقد تتساءل فتقول : لعلّ الهداة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين قد بلّغوا رسالات ربّهم ولكن لم تصلنا بشكل معتبر إمّا لجهالة بعض رجال السند عندنا وإمّا لجهالة معاني بعض الألفاظ ، فانّ ذلك أمر طبيعي إذا أخذنا بعين الاعتبار ما مرّ على الاسلام والمسلمين من المحن والفتن بدء بيوم السقيفة مرورا بكربلاء وما حصل على المؤمنين في عصري الأمويين والعبّاسيين . . . وقد جرت سنّة الله أن يجري الأمور بأسبابها . ( أقول ) إنّ الهداة المعصومين عليهم السّلام ينظرون في تبليغهم الأحكام الشرعية إلى الموجودين في عصر الصدور وإلى الذين سيوجدون فيما بعد ، وهذا أمر لا شكّ فيه ، ويعلمون أيّ رواية سوف تصل إلى الأزمنة اللاحقة صحيحة السند والدلالة وأيّها لن تصل كذلك ، وقد صرّح الإمام الثاني عشر ( عج ) بذلك بقوله - في صحيحة أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي - « فانّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا ، قد عرفوا