الشيخ فاضل اللنكراني
5
دراسات في الأصول ( دار التفسير )
واستشكل عليه : بأنّ الترك ومجرّد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار ، والحال أنّه لا بدّ من كون المأمور به مقدورا للمكلّف ، فلا يصحّ أن يتعلّق به البعث والطلب . وأجاب عنه بقوله : إنّ الترك أيضا يكون مقدورا ، وإلّا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالإرادة والاختيار ، وكون العدم الأزلي لا بالاختيار لا يوجب أن يكون كذلك بحسب البقاء والاستمرار الذي يكون بحسبه محلّا للتكليف . والدليل على عدم صحّة قوله قدّس سرّه أنّه قد مرّ في بحث الضدّ أنّ عدم أحد الضدّين وتركه لا يمكن أن يكون مقدّمة لفعل ضدّ الآخر ؛ إذ العدم ليس بشيء حتّى يتّصف بشيء آخر ، وإثبات المقدّمية بعنوان الوصف والحالة له فرع ثبوته ، فإنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، ولا يمكن اتّصاف العدم بالتقدّم والتأخّر والتقارن ؛ إذ لا حظّ له من الوجود بدون الفرق بين عدم المطلق وعدم المضاف وعدم الملكة . فلذا لا يمكن أن يكون متعلّق الطلب في النواهي عبارة عن ترك الطبيعة وعدمها . سلّمنا أنّ البعث والزجر من الأمور الاعتبارية ولكن لا وسعة لدائرتها بحيث يجوز الاعتبار بأيّ نحو كان ؛ إذ الملكية أمر اعتباري ولكن لا يمكن جعل المالك أمرا عدميّا ، فلا بدّ على هذا القول أن يكون متعلّق الطلب في النواهي عبارة عن كفّ النفس . ثمّ إنّه لا دلالة لصيغة النهي على الدوام والتكرار ، كما لا دلالة لصيغة الأمر إلّا أنّ سقوط الأمر وحصول الغرض في باب الأوامر يتحقّق بوجود فرد واحد من الطبيعة في الخارج ، وفي باب النواهي لا يتحقّق عدم الطبيعة إلّا بترك جميع أفراد الطبيعة المنهي عنها ، فدلالة النهي على الاستمرار والدوام إنّما هي بحكم العقلاء لا العقل ولا الوضع كما سيأتي تفصيله . بقي الكلام في منشأ هذا الفرق والسؤال عنه على جميع المباني سواء كان الأمر بمعنى البعث إلى إيجاد الطبيعة والنهي بمعنى الزجر عنه ، أو الأمر بمعنى طلب وجود الطبيعة والنهي بمعنى طلب تركها وعدمها ، أو الأمر بمعنى