الشيخ فاضل اللنكراني
9
دراسات في الأصول ( دار التفسير )
وأمّا ما قرّره المقرّر - من أنّه لا يصحّ أنّ تكون نسبة موضوع العلم وموضوعات المسائل نسبة الكلّي ومصاديقه والطبيعي وأفراده ؛ إذ يمكن أن تكون نسبة موضوع العلم وموضوعات المسائل نسبة الكلّ والجزء مثل علم الجغرافيا ، أو تكون نسبة الموضوع وموضوعات المسائل نسبة التساوي مثل علم العرفان - فهو منوط بالمرحلة الرابعة من بحثنا وسوف يأتي إن شاء اللّه ، كما أنّ قوله بأنّ العلم لا يحتاج إلى موضوع مشخص معلوم فغير وارد ، فإنّ علم الفقه كان موضوعه فعل المكلّف ، ولكن أكثر مسائله التي تبحث عنها لا ربط لها بفعل المكلّف مثل مسائل الإرث والنجاسات وأمثالها ، فهو مربوط بالمرحلة الثالثة من بحثنا وسيأتي إن شاء اللّه تعالى . وأمّا إن قام الدليل على احتياج في العلوم إلى الموضوع فلا منافاة بين ما تقدّم وما ذكره الأستاذ ؛ إذ العلوم وإن كانت في بادئ الأمر مهملة وناقصة ولكن نعلم بالبداهة أنّ المناطقة لم يبحثوا في ضمن مباحث المنطق عن مباحث علوم أخرى كالنحو والفقه مثلا ، وأنّ النقض والكمال لا ينفي احتياج العلم إلى الموضوع . والمشهور من العلماء أقاموا دليلا على وحدة الموضوع ، فإن تمّ هذا الدليل فيثبت به أصل الاحتياج أيضا ، ولهذا الدليل مقدمتان : الأولى : أنّ كلّ علم يترتّب عليه غرض وفائدة واحدة ، أي على أساس الغرض الواحد يدوّن علم واحد ، فمثلا دوّن علم النحو - مثلا - لصيانة الإنسان عن الخطأ في المقال ، ودوّن المنطق لصيانة الإنسان عن الخطأ في الفكر ، وهكذا . الثانية : أنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد ، يعني : لا تؤثّر أشياء متباينة على شيء واحد ، إلّا أن تكون بينها جهة مشتركة كالنار والشمس في الحرارة ، فإن كان المعلول متّصفا بالوحدة كانت العلّة أيضا كذلك . وهاتان المقدّمتان بضميمة أنّ كلّ علم عبارة عن مجموعة مسائله ، تنتجان أنّ