الشيخ فاضل اللنكراني
335
دراسات في الأصول
تقديم الدليل الثاني على الأوّل بمناط يعبّر عنه اصطلاحا بالحكومة ، فإنّ الدليل الحاكم متعرّض لما يكون الدليل المحكوم فاقدا لتعرّضه لفظا ودلالة . وهكذا في مثل قوله : « أكرم العلماء » وقوله : « التحيّة إكرام » أو قوله : « النحوي ليس بعالم » فلا يتحقّق التعارض والتنافي بين الدليلين ؛ إذ التعارض فرع التعرّض ، ولا منافاة بين التعرّض وعدم التعرّض ، بخلاف العامّ والخاصّ ، مثل : قوله : « أكرم العلماء » وقوله : « لا تكرم الفسّاق » ؛ إذ يتحقّق التعارض بينهما في مادّة الاجتماع ، وتكون دائرة الحكومة وسيعة قد تستفاد منها فائدة التخصيص ، وقد تستفاد منها فائدة التقييد . مثلا : إذا لاحظنا آية الوضوء مع آية الحرج ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ « 1 » ، وقوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » ، ومعناه : عدم تعلّق الجعل والتشريع بالفعل الحرجي وخروجه عن دائرة الجعل ، ومعلوم أنّ آية الوضوء لا تكون متعرّضة لتعلّق الجعل وعدمه بأيّ شيء ، ومفاده : أنّ الوضوء واجب للصلاة وإن كان لازمه المجعوليّة ، فدليل الحرج متعرّض لما لم يتعرّضه دليل الوضوء ، وهذه هي نتيجة التقييد بلسان الحكومة . وإن قال في مقابل آية الوضوء : « الوضوء الحرجي ليس بواجب » يكون هذا تقييد لإطلاق الآية ، فإنّ أحد الدليلين يكون مقيّدا للآخر بمدلوله اللفظي . فيكون ملاك تقدّم أحد الدليلين على الآخر إمّا أقوائيّة الظهور كما في تقديم الدليل الخاصّ والدليل المقيّد على العامّ والمطلق ، وإمّا تعرّض الدليل المتقدّم لما
--> ( 1 ) المائدة : 6 . ( 2 ) الحج : 78 .