الشيخ فاضل اللنكراني

55

دراسات في الأصول

ويمكن أن يتوهّم أنّ الكفر والإيمان والسعادة والشقاوة لا تكون من قبيل أجزاء الماهيّة ولوازمها ، بل تكون من قبيل الوجود وعوارضه ، فكما أنّ وجود الإنسان ليس باختياري له كذلك قصر قامته وسواد لونه وكونه جميلا ونحو ذلك ، وهكذا سعادته وشقاوته وإيمانه وكفره يكون من الأمور الغير الاختياريّة له ، فالسعيد لا بدّ وأن يكون سعيدا ، والشقيّ لا بدّ وأن يكون شقيّا ولعلّ قول الشاعر ناظرا إلى هذا المعنى : گليم بخت كسى را كه بافتند سيا * به آب زمزم وكوثر سفيد نتوان كرد وفيه : أنّ عروض الحالات المتضادّة والمختلفة للإنسان في طول حياته أقوى دليل على عدم صحّة التشبيه المذكور ، كما يستفاد من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ . . . « 1 » . وهذا دليل على أنّ الإيمان والكفر لا يكونا من قبيل قصر القامة الذي لا ينفك عن الإنسان إلى آخر العمر . ولكن عرفت أنّ الإنسان مع كونه مختارا في أعماله وأفعاله لا يكون مستقلّا فيها ، فعبارة « بحول اللّه أقوم وأقعد » يعني صدور القيام والقعود يكون عن اختيار ، مع استنادهما إلى قدرة اللّه تعالى وقوّته ؛ ومن هنا يقول تبارك وتعالى في القرآن : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 2 » ، وعدم الاستقلال ليس بمعنى الإجبار وعدم الاختيار ، فلا يصحّ المقايسة بين الكفر والإيمان وعوارض الوجود مثل قصر القامة ، والحاكم بالفرق بينهما هو الوجدان

--> ( 1 ) النساء : 137 . ( 2 ) الأنفال : 17 .