آقا بن عابد الدربندي
406
خزائن الأحكام
مغايرا للحقيقة الأولية وطبيعة ثانويّة غير طبيعة الأصلية ثم إن شئت قسم أمثال ذلك بانقلاب الطبيعة وتحول الحقيقة تسمية حقيقة لغوية أو تسمية مجازية بناء على أن انقلاب المهيات أو تحول الحقائق والطبائع حقيقة محال كما ذاع وشاع هذه المقالة بين علماء الاعصار وفضلاء الادوار من علماء صناعة الحكمة بل بين غيرهم أيضا فلما كان تحقيق المقام وإزالة بعض الأوهام مما ينبعث عنه الآثار والخواص في صناعتي الأصول والفقه ولو عند أصحاب الانظار الدقيقة كان التعرّض لبعض المقالات وبعض المباحث من المهمات الاستطرادية والمطالب المقدماتية فنقول ان العبارات المقولة في هذا المقام متقاربة وقد عبر الشيخ الرئيس ابن سينا بعبارة ان قلب أعيان صور الموجودات ممتنع نقله بعض أجلة الحكماء وحدقة الصناعة الاكسيرية قائلا اتى رايت للرئيس ابن سينا كتابا يحوم فيه على مقاصد الحكماء وأقوالهم في هذه الصناعة فنفى فيها الحق وأثبت فيها الباطل ولم يبرهن على كل من النفي والاثبات بوجه مقبول على الحقيقة فإنه قال إن قلب أعيان صور الموجودات ممتنع فلا يمكن انقلاب الذهب إلى الفضة كما لا يمكن انقلاب الفضة إلى الذهب ويمتنع انقلاب النحاس فضة كما يمتنع ان ينقلب الفضة نحاسا وكل في بقية الاشخاص المعدنية لكن أرى بامكان وجود الصّبغ الأبيض على النحاس فيصير في قوام الفضة ولونها فيكون نحاسا مصبوغا لا فضة ويمكن دخول الصّبغ الأحمر على الفضة فيصير في قوام الذهب ولونه فيكون فضة مصبوغة لا ذهبا هذا وبالجملة فان صدور مثل ما نقله عن ابن سينا من الأمور المشهورة بل المتسامعة المتظافرة وقد عبّر في هذا المقام بعض أجلة عرفاء الحكماء بان انقلاب الحقائق ممتنع وقد عبر بعض علماء الأصول ممّن له تتبع في علم الحكمة أيضا بان انقلاب الحقيقة حقيقة مح وكيف كان فانّى لم اظفر ببيان شاف وتبيان كاف في مقالاتهم لا في عنوان مستقل ولا في تضاعيف كلماتهم بحيث يكون معيارا في البين ودستورا رافعا عن الأذهان المين والرّين فاطلاق كلام الأول وان كان مما يعطى قانونا وضابطا كليا إلّا انه مما هو بين الفساد مخالف للحس والعيان كما أنه مخالف للقواعد المسلّمة عندهم وان قطع النظر عن فساد تفريع ما فرع عليه وعدم اصابته الواقع في ذلك أيضا كما تعرف الكلام الامتع الاعود فيه فمن جملة القواعد المسلّمة عندهم قاعدة الكون والفساد وانقلاب العناصر بعضها إلى بعض بلا توسّط أو توسّط واحد أو أزيد فان قلت إن هذا لا ينافي لما ذكره بل إن هذا بعد امعان النظر وتجوال الفكر مما يسدّده ألا ترى ان بعض المحققين قال في باب انقلاب العناصر بعضها إلى بعض اعلم أن المص لما أثبت انقلاب العناصر اى تبدل صور بعضها إلى بعض الذي يدل على طاعة هيولى مشتركة لما يرد عليها من خلع الصور ولبسها وتسليمها لامر اللّه تعالى لئلا يلزم انقلاب الحقيقة أراد ان يشير إلى طاعة صور العنصريّة لورود الاعراض والكيفيات عليها المعدة لحصول المزاج على المركّب منها لئلا يلزم انخلاع صور العناصر حين حصول المزاج كما نقله الشيخ من بعض أهل زمانه وذلك انما يتحقق باثبات ان الأعراض والكيفيات الحاصلة للعناصر أمور زائدة على صورها النوعيّة مغايرة لها فأشار إلى زيادتها بقوله ونقول أيضا ان الكيفيّات العنصريّة زائدة على الصّور الطبيعية وذلك لأنها تستحيل في الكيفيّات اى تزول عنها بعض الكيفيات ويحدث فيها بعض آخر مثل التسخن والتبرد في الماء مثلا مع بقاء الصور النوعيّة المائية بحالها في كلتا الحالتين فلولا المغايرة بين الصورة والكيفية للزم اجتماع وجود الشيء وعدمه في حالة واحدة وانه مح ولا يخفى ان المط الذي هو المغايرة بين صور العناصر وكيفياتها انما يحصل بإرادة الاطلاق العامة من المقدّمة المذكورة فالاعتراض عليه بزوال الصورة النارية عند زوال حرارتها وكذا زوال الصّورة المائية والأرضية بزوال الميعان والجمود غير متوجه لعدم كونه منافيا للمدّعى لما تحقق ان المطلقتين لا تتنافيان وانما يتوجّه أو كان المراد منها الدوام وهو مما لا حاجة اليه في هذا المقام قلت إن ما ذكر لا يدفع الضّيم إذ ليس فيه ما يسدّد كلامه ويبيّن مرامه وذلك ان كلامه مما يأبى عن الحمل على ما ذكر بان يقيّد اطلاقه بما في هذا القيد على أنه لو كان مراده كما ذكر لما صحّ ما فرعه على ما أطلقه لان التفريع المذكور انما يناسب اطلاق كلامه لا لما قيد به على النهج المزبور بل إن على البناء عليه يوجد تناقض صرف وتهافت بحت بين أصله وما فرعه عليه كما لا يخفى على الندس الفطن وبعد الغض عن كل ذلك نقول إن كلام هذا البعض الذي أيدت به كلام ابن سينا في غاية الاجمال أيضا إذ لم يبيّن شيئا من المواضع التي لا توجد فيها هيولى مشتركة من المعادن فإذا تحقق الهيولى المشتركة في باب انقلاب العناصر بعضها إلى البعض على النهج المزبور فهل هي لا يتحقق فيما ذكره ابن سينا من المعادن على أن هذا البعض قد استند فيما ذكره على ما قرره ابن سينا وبنى عليه الامر فيكون التسدية به من المصادرات فلا ينفع ح القول بان المقصود من سوق كلام هذا البعض بيان ان ما ذكره ابن سينا من المسلّمات عندهم على أنه مما لا يخلو عن مدخوليته من وجه آخر كما لا يخفى على من يأخذ مجامع الكلمات المذكورة بأسرها ومن جملة القواعد المسلّمة عندهم ما في اثبات الصورة النوعية الجوهريّة وتلازمها مع الصورة الجسمية والمراد من الصورة النوعيّة هي التي يختلف بها الأجسام أنواعا فقالوا ان لكل واحد من أنواع الأجسام الطبيعيّة صورة أخرى غير الصورة الجسميّة بها يصير ذلك النوع نوعا ولهذا سميّت صورة نوعية اى منسوبة إلى النوع بالتقويم