آقا بن عابد الدربندي

332

خزائن الأحكام

فهو راجح الاستدلال بان الغالب المظنون هو البقاء والظن يلحق الشئ بالأعم الأغلب ومنها ان الغالب البقاء فالظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب فيجب الاخذ بالمظنون الاستدلال بعدم الظن بالمزيل للوجود ومنها ان ما تحقق وجوده في حال ولم يظن طروّ وما يزيله كان الظن في بقائه بالضّرورة والا لما ساغ لعاقل مراسلة من فارقه ولا السّفر إلى ما يعهد إلى البلاد وهكذا هذا فنقتصر على هذا المقدار في تقريرات هذا الدليل وتحريرات بيانه ولا يخفى عليك ان أدلة الأوائل والأواسط في حجية الاستصحاب وان كانت مما قد كثرت الا ان أكثرها مما ينتهى إلى اعتبار الاستصحاب لافادته الظن أو حصوله في مجاريه وقلما ينفك دليل من أدلتهم عن ذلك بل لا ينفك عند امعان النظر وقد سلك مسلكهم بعض أفاضل المتأخرين وحذا حذوهم في ذلك كله ولكن زاد على ذلك الاحتجاج بالاخبار وهذا طريق مستحدث بين متاخّرى المتأخرين ولقد أحسن البعض في التأدية عن جهة المثبت وعن الاعتراض عليه حيث اقتصر على أن المثبت يدّعى الظن والمعترض لا يعتبره هذا فلنا في رد هذه الوجوه كلامان كلام يتعلق بكل واحد منها على سبيل الاستقلال بما ذكر فيه من المقدمات واخذ ما فيه من المباني وكلام يتعلق بالمجموع من حيث المجموع والقدر المشترك المتحقق فيه فلنقدم الكلام الأول فاعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه قد يحرر على وجه اخصر ولا يؤخذ فيه قضية الظن والرجحان أصلا ولكن يغاير الأول من بعض الوجوه وهو ان ما ثبت يدوم لأن الباقي لا يحتاج في بقائه إلى علة بل علّة الوجود علة البقاء هذا ويرد على أول تحريرى هذا الوجه انا نمنع استغناء الباقي عن المؤثر بل لا ينبغي اعتقاد ذلك ومثله فان اللّه تعالى هو المفيض لوجود الأشياء وبقائها والبرهان عليه من العقليات والنقليّات غير عزيز فايجاده تعالى علة الوجود كما أن امساكه تعالى علة البقاء وهو يؤثر في البقاء لا تجديد الايجاد فلا يلزم تحصيل الحاصل واما الأمثلة فليس التأييد به مما في محله فان حركات يد البناء مثلا علة لحركات اللبنات واجزاء البيت وانتهاء حركتها علة لانتهاء هذه الحركات وانتهاء تلك الحركات علة الاجتماع المتحركات من اللّبنات وغيرها على هيئة مخصوصة واما حفظ تلك الهيئة وامساكها عن التفرق فبقوة ممسكة افادها اللّه تعالى وبالجملة فان معنى البقاء هو حصول الشيء في هذا الزمان بعد ان كان حاصلا في آخر فيؤثر المؤثر فيه فلا يلزم من ذلك كونه محدثا صرفا لا مبقيا كما لا يخفى فرجح الوجود بالمؤثر في الزمن الثاني على النهج المذكور أو بهذا المؤثر كترجحه به في الزمن الأول مما لا ضير فيه بل لا بد من أن يقال به ولا يعتبر بقضية استغناء الباقي عن المؤثر لأنها بعد الغض عما ذكر مناقضة للمقالة المسلمة من أن الحادث مفتقر والتقريب بان الباقي أيضا حادث ومناقضة لما عليه الاتفاق أيضا من أن الباقي حال بقائه ممكن لامكانه حال الحدوث فكل ممكن له مؤثر واعتبار احتياج الممكن إلى المؤثر بشرط الحدوث مما لا مساغ له لاستلزامه الدور إذ معنى الحدوث مسبوقية الشيء بالعدم وهذا صفة الموجود المتأخرة عنه بالذات وهو متأخر عن الوجود المتأخر عن الايجاد المتأخر عن احتياج الأثر إلى المؤثر المتأخر عن علة احتياجه فلو كان الحدوث معتبرا في ذلك لزم الدور ثم إن بعض ما يرد على هذا التحرير يعرف بعد بيان ما يرد على التحرير الأخير فاعلم أنه يرد عليه انه اخصّ من المدعى لعدم جريانه في العدميات بل لعدم جريانه في غير الموضوعات الصّرفة وما في حكمها من الاحكام التي لا دخل للشارع فيها كبقاء الطّهارة إذا شك في عروض القادح لان قضية الاستغناء لا تتمشى في الاحكام الذهنيّة من التكليفية والوضعيّة إذ لا يعقل استمرار الحكم من دون حاكم ثم إن أريد من العلّة العلة التامة لزم استحالة الانعدام بعد الوجود نظرا إلى عدم صحّة تخلف المعلول عن العلة التامة وهذا بديهي الفساد على أنه لا معنى للتمسّك بالاستصحاب وان أريد منه العلة الناقصة اى المقتضى خاصّة فلا اتجاه ولا مخر لهذا الكلام أصلا وهذا واضح لا سترة فيه اللهمّ الا ان يلاحظ ح اعتبار الشك في وجود المانع ثم يدفع بالأصل وهذا كما ترى مما ليس في مخره أيضا لاستلزامه الدور على أنه لا معنى لاقتضاء المقتضى البقاء الأبدي إذ من المعلوم اختلاف المقتضيات في الاقتضاء نعم إرادة ان الشيء ما دام يكون موجودا وباقيا يكون المقتضى لبقائه هو علة الوجوه مما ليس في غاية البعد إلّا انه لا يجدى نفعا بالنسبة إلى الشك في البقاء من حيث الشك في اقتضاء المقتضى ولا بالنسبة إلى الشك في كون الموجود الخارجي مما هو أطول بقاء أو الأقصر نعم يثمر بالإضافة إلى الشيء المشكوك بقائه باعتبار الشك في وجود المانع وهذا كما عرفت مما لازمه الدّور وكيف كان فان هذا الدليل في غاية المدخولية وان قرر على وجه آخر أيضا كما عن البعض بعد تمهيد مقدمة من أن الحكماء والمتكلمين اتفقوا على أن كل ممكن محتاج في وجوده إلى المؤثر وان الاعدام لا يحتاج في الاستمرار إلى علّة بل يكفى فيها عدم العلم بوجود علة الوجود واختلفوا في ان الموجود الباقي هل هو مجدّد أم لا والحق هو الثاني وعليه هل هو محتاج في بقائه إلى علة أم لا والحق هو الثاني وعلى الأول هل العلّة المبقية هي عين العلة الموجدة أم غيرها فلكل قائل فإذا علم هذه المقدّمة فاعلم أنه استدل على حجية الاستصحاب بالبرهان العقلي وهو ان كل ما ثبت يدوم لان الممكن كما يحتاج في وجوده إلى المؤثر فكل في انعدامه فيقال ان الحالة السّابقة ممكنة غير محتاجة في بقائه إلى المؤثر ومحتاجة في انعدامها اليه فالأصل عدمه على أن زوال البقاء محتاج إلى المقتضى ورفع الموانع بخلاف بقاء البقاء فإنه محتاج إلى رافع الموانع فقط فيقدم الثاني لكونه أقل احتمالا من الأول هذا وأنت خبير بان جملة