آقا بن عابد الدربندي
277
خزائن الأحكام
حيث حكم بعدم وجوب الاجتناب بناء على أن الأصل هو الطهارة والانفعال مشكوك فيه لأنه انما يكون بالملاقات مع القلة وهي مشكوك فيها وقال ع كل ماء ظاهر حتى يعلم أنه قدر هذا وأنت خبير بان كل ذلك انما نشاء عن الغفلة وعدم التمييز بين الوارد والمورود والمزيل والمزال والحكم المقدم والمؤخّر وقد يقال في بيان الحال في هذا المثال ان الماء المشكوك في كريته قد يكون معلوم الكرية بحسب الزمن المتقدم على الشك ويكون الشك في نقصان شيء منه أو نقصان ما يزيد على القدر المعلوم زيادته على الكر وان علم بنقصان ذلك المقدار وح فلا اشكال في اعتبار اصالة بقاء الكرية وتحكيمه على ساير الأصول وقد يكون معلوما عدم كريته بحسب الزمن المتقدم على الشك ويكون الشك من جهة احتمال الزيادة ولا اشكال هنا أيضا في تحكيم اصالة عدم الكرية على اصالة عدم النجاسة وعدم وجوب الاجتناب عنه كما عرفت فيحكم بنجاسته بالملاقاة واما إذا علم بحصول الكرية ووقوع النجاسة وشك في المتقدم فهنا قد يكون تاريخ أحدهما معلوما دون الآخر فيحكم باصالة تأخر المجهول عن عدم ثبوته في زمان يشك في ثبوته فيه إذ لا عليه بين الحادثين فيشمل زمن العلم بحصول الآخر فيلحقه حكمه من الطهارة والنجاسة ولا اشكال في تحكيم هذا الأصل على اصالة عدم النجاسة وقد يجهل التاريخان بالكلية وقضية الأصل في ذلك التقارن ومرجعه إلى نفى وقوع كل منهما في زمن يحتمل عدم وقوعه فيه وهو يقتضى ورود النجاسة على ما هو كرحال الملاقاة فلا ينجس به وكذا لو علم عدم الكرية وشك في تقدم النجاسة ومقارنتها لها أوضح من ذلك ما لو علم بعدم تقدم النجاسة وشك في مقارنتها وتاخرها أو علم بعدم المقارنة وشك في المتأخر منهما لسلامة أصل الطهارة عن المعارض ولا يتوهّم ان قضية اعتبار التأخر في مجهول التاريخ هنا يوجب تطرّق مثله في مسئلة من علم بوقوع حدث وطهارة منه وشك في المتأخر منهما فينبغي ان يحكم فيها بالطهارة مع العلم بتاريخ الحدث دون الطهارة مع أنه مخالف لظ الأصحاب لوضوح الفرق بين المقامين فان الحكم الشرعي المترتب على اصالة التأخر هنا لا يتوقف على توسّط امر عقلي أو عادى بل يتفرع عليه ابتداء فيصح اثباته بالأصل بخلاف مسئلة الطهارة والحدث فان قضية اصالة تأخر الطهارة فيها عدم وقوعها في الزمن « 1 » المتأخر الا بواسطة امر عادى وهو العلم بوقوع الطهارة منه فيكون من الأصول المشتبه الغير المعتبرة كما نبهنا عليه وستسمع عدم استقامة ما في ذيل هذا الكلام وانما نقلنا بتمامه ليتضح المرام واما المثال الثالث فله صور الأولى ان يعلم تاريخ الاستعمال دون التطهير والثانية عكس ذلك والثالثة ان لا يعلم شيء من ذلك أصلا ففي الأولى يحكم بالنجاسة وترتيب الآثار على ذلك وفي الثانية يحكم بالطهارة ويترتب الآثار عليها وذلك لأصل تأخر الحادث في الكلّ واما الثالثة فيكون الاستعمال فيها بمنزلة استعمال ماء نجس فيترتّب عليه الآثار من تطهير الثياب وإعادة الطهارة وذلك الاستصحاب حكم النجاسة المعلوم الخالي عن المعارض بعد سقوط الأصلين الآخرين في البين من اصالة عدم تقدم التطهير واصالة عدم تقدم الاستعمال وعدم التعويل عليهما لأجل كون الشك في الحادث فعدم جواز التمسّك باصالة عدم تقدم التطهير في المثال لأجل ذلك لا لما ذكره هذا القائل من اثباته الحكم المخالف للأصل من تطهير الملاقى ونحو ذلك لما عرفت من أن الأصل الثابت بالعقل والنقل حجة يتبعه آثاره جدا فوجوب التطهير تابع للحكم بالنجاسة هذا واما ما قال البعض في هذا المثال انه يمكن ان يقال إذا استعمل من ذلك الماء ثم علم بالنجاسة وشك في الكرية مقدمة أم وقوع النجاسة وان الاستعمال هل كان بعد النجاسة أو قبله فيمكن ان يتمسّك باصالة عدم تقدّم النجاسة على الاستعمال وذلك ليس لأصالة عدم تقدم أحد الحادثين على الآخر بل لان العلم بالنجاسة لما كان متأخرا عن الاستعمال واصالة العدم الملحوظ بالنسبة إلى النجاسة مستصحبة إلى حين العلم بها فيظن بقاء عدم النجاسة إلى حين حصول العلم والاستعمال أيضا قد فرض حصوله في زمان ظنّ بقاء عدم النجاسة وهذا لا غائلة فيه أصلا فمما لا يخلو عن ضعف وذلك لان هذا الأصل الذي ذكره هذا القائل وان كان يرد في بادي النظر على الأصل بنينا عليه الامر ورود المزيل على المزال الا ان بعد امعان النظر وتجوال الفكر يظهر ان التمسّك به مما لا وجه له أصلا لان بعد ملاحظة انكشاف الحالات في المثال لم يكن له تمشية وتوجيه ذلك بان قضية الوارد والمورود وجريان الأصل الذي ذكره هذا القائل انما بالنسبة إلى الحكم المترتب فهذا مما يستصحب ولو بعد انكشاف الحالات توجيه غير مستقيم كما لا يخفى على الفطن وجهه وبالجملة فما ذكرنا ناهض وان قطع النظر عن بعض الأصول المؤيدة إياه من اصالة عدم رفع الحدث والخبث والحق انه لا بد من أن يقطع النظر عن ذلك لكونه من التوابع ومعارضا بالمثل وكيف كان فقد انصدع عما ذكرنا ان قول صاحب الوافية في آخر كلامه من أن مثل هذا اثبات الحكم بلا دليل من المقالات الجزافية لان ما ذكرنا اثبات الحكم بالدليل لما عرفت من لزوم ترتيب الآثار والاحكام على الأمور الثابتة بالأصول الثابتة حجيتها كما الشأن كذلك في ساير الأدلة وبعبارة أخرى انا لا نثبت الحكم بالأصل على الاستقلال بل ترتب على نفى الحكم بالأصل اثبات حكم اما لمناقضته للحكم المنفى فيثبت لامتناع ارتفاع النقيضين أو لان بالنفي بشخص ويحقق موضوع ويتبعه احكامه فلا ريب ان هذا اثبات بالدليل إذا عرفت ذلك فاعلم أن جمعا من المعاصرين قد فصلوا في الأصول المثبتة تفصيلا فلما كان المقام من مزال الاقدام وإحقاق الحق فيه من المهمات لزم ذكر كلمات من تصدى لذلك ولو في تضاعيف المباحث الفقهية بمجامعها ليتضح الحال في بيان مقصودهم وفيما نورد على ذلك مما يقتضيه التحقيق فقال البعض في رد كلام صاحب الوافية هذا على اطلاقه
--> ( 1 ) الذي يشك في صدور وقوعها فيه وهو لا يقتضى اثبات وقوعها في الزمن