آقا بن عابد الدربندي
6
خزائن الأحكام
معيار وضابط بان يكون ما يمتنع الانقلاب فيه مثل الاعراض بان ينقلب عرض من مقولة إلى عرض آخر من مقولة أخرى أو عرض إلى جوهرا وبالعكس أو جوهر إلى جوهر بان ينقلب الصّورة مثلا إلى الهيولى أو بالعكس وهكذا الامر في الحقائق المركبة بحسب العقل والبسيط بحسب الخارج كالسواد والبياض فهذا كما ترى مما لا يمكن ان يرجع اليه كلام الشيخ الرئيس نظرا إلى ما فرّعه على ما أصله ولا يناسبه أيضا تعبيره بأعيان صور الموجودات كما لا يخفى ثم إن شئت ان يتبيّن الامر لك غاية التبيّن وتكون على بصيرة في هذا المقام فاصغ إلى ما صدر من جمع من أساطين صناعة الحكمة في بيان الوجود الذهني والخارجي قال بعضهم في مقام اثبات الوجود الذّهنى لما كانت موجودية الماهيّة متقدّمة على نفسها فمع قطع النظر عن الوجود لا يكون هناك ماهيّة أصلا والموجود الذهني والخارجي مختلفان بالحقيقة فإذا تبدل الوجود بان يصير الموجود الخارجي موجودا في الذهن لا استبعاد ان يتبدل الماهية أيضا فإذا وجد لشيء في الخارج كانت له ماهيّة اما جوهر أو كم أو مقولة أخرى وإذا تبدل الوجود ووجد في الذهن انقلبت ماهيّته وصارت من مقولة الكيف وليس هذا من القول بالشبه في شيء لأنه ليس للشيء بالنظر إلى ذاته بذاته مع قطع النظر عن الوجودين حقيقة معينة ويمكن ان يقال هذه الحقيقة موجودة في الذهن وفي الخارج بل الموجود الخارجي بحيث إذا وجد في الذهن انقلب كيفا وإذا وجدت الكيفية الذّهنيّة في الخارج كانت عين المعلوم الخارجي فإن كان المراد بوجود الأشياء لنفسها في الذهن وجودها فيه وان انقلبت حقيقتها إلى حقيقة أخرى فذلك حاصل وان أريد بها انها توجد في الذهن باقية على حقيقتها الخارجيّة فلم يقم عليه دليل إذ مؤدى الدليل ان المحكوم عليه باحكام صارفة يجب وجوده عند العقل وفي الذّهن يحكم عليها بها ولا يخفى انّ هذا الحكم ليس عليه بحسب الوجود الذّهنى بل بحسب نفس الأمر فيجب انّ يوجد في الذّهن امر لو وجد في الخارج كان متصفا بالمحمول وان انقلبت حقيقة يتبدّل الوجود فان قلت انما يتصوّر هذا الانقلاب لو كان بين الموجودات الذّهنية والخارجيّة مادة مشتركة تكون بحسب الوجود الذّهنى كيفا وبحسب الوجود الخارجي من مقولة المعلوم كما قرر والامر في الهيولى المبهمة في ذاتها حق الابهام فتصير باقتران كلّ صورة عين حقيقتها وظاهر ان هاهنا ليست مادة مشتركة بين جميع الموجودات قلت انما استدعى هذا الانقلاب المادة لو كان انقلاب امر في صفة كانقلاب الهواء ماء وامّا انقلاب نفس الحقيقة بتمامها إلى حقيقة أخرى فلا يستدعى مادة مشتركة موجودة بينهما نعم يفرض العقل لهذا الانقلاب امرا بينهما عاما هذا وقال البعض معترضا عليه لا يخفى على من له أدنى بصيرة ان انقلاب الحقائق غير معقولة بل المعقول منه ان ينقلب المادة من صورة إلى أخرى أو الموضوع من صفة إلى أخرى وليت شعري ما هذا الواحد الذي زعم أنه بحيث إذا وجد في الخارج كان ماهيّة وإذا وجد في الذهن كان ماهيّة أخرى وكيف ينحفظ الوحدة مع تعدّد الماهيّة ثم تقدّم الموجودية على الماهيّة غير مبيّن وعلى فرض التسليم لا يوجب جواز الانقلاب إذ العوارض متقدّمة كانت أو متأخرة لا تغير حقيقة المعروض فإنها انما تعرض لتلك الحقيقة فلا بدّ من بقائها معا ثم على فرض الانقلاب يكون الحاصل في الذهن مغاير الماهيّة الحاصل في الخارج وهو خلاف مقتضى الدليل الدال على الوجود الذهني وما ذكره من أن حصول لماهية في الذهن اعمّ من أن يبقى فيه أو ينقلب إلى ماهيّة أخرى من قبيل ان يقال حصول زيد في الدار اعمّ ان « 1 » يبقى فيها على ما كان أو ينقلب فيها إلى عمرو مثلا ثمّ من البيّن انه إذا لم يكن بين الامرين امر مشترك يبقى مع الانقلاب كالمادة أو كالجنس مثلا لم يصدق ان هناك شيئا واحدا يكون تارة ذلك الامر وأخرى غيره والفطرة السّليمة يكفى مئونة هذا البحث هذا قال بعض المحققين في مقام المحاكمة بين هذين الفاضلين ما حاصله ان انقلاب الحقيقة له صورة صحيحة وهو ان للوجود استحالة ذاتية وحركة جوهريّة لا بمجرد تبدل الصورة بالكون والفساد مع بقاء المادة بشخصها بل على نحو الاتصال التدبير التدريجي في نفس الصورة ووجودها ثم إن المعقول من الجوهر مثلا نفس المعقول منه لا ان شيئا يصدق عليه ذلك المعقول لان ذلك غير لازم الا في بعض المفهومات الذهنية كمفهوم الكلّى ومفهوم الممكن ومفهوم الوجود المطلق فالفرق حاصل بين مفهوم الموجود في الأعيان لا في موضوع وبين الجوهر الذهني وبين ما يصدق عليه هذا المعنى وهو الجوهر الخارجي فاذن لا منافاة بين الجوهر الذهني والكيف النفساني الخارجي والانقلاب في الوجود يقتضى تبدّل الماهية بلا شبهة واما المشترك بين الموجود الخارجي والمعقول على طريقنا هو كون المعقول نفس ماهيّة الموجود ولا حاجة إلى تكلفات متقدّمة في بيان الامر المشترك وغاية ما قيل في ذلك من قبله هو ان لكلّ من الحقائق العينية ربطا خاصّا بصورة ذهنية يقال لأجله انها صورته الذهنية ويجد العقل بينهما ذلك الربط وحقيقة ذلك انها لو وجد في الخارج كانت عينة ولا يلزم من ذلك ان يصير وجود كل شيء وجود كل شيء آخر لأنه فرق بين ان يقال لو وجدا في الخارج وانقلبت حقيقة إلى حقيقة ب كان عين ب وبين ان يقال لو وجدا في الخارج كان عين ب هذا فإذا اخذت بمجامع كلمات هؤلاء الفضلاء من أساطين صناعة الحكمة علمت أن ما عليه الشيخ ابن سينا من اطلاق كلامه وارسال مرامه مما ليس في مخره بل إن تبدّل الحقيقة يتبدّل الصورة النوعيّة بالكون والفساد مع بقاء المادة بشخصها مما عليه اجماعهم وكيف لا فان الفاضل الاوّل قد ترقى في المقام حيث اقتنع بالمشترك الاعتباري حيث لا مادّة مشتركة في البين غاية ما في الباب انّه خصّ انقلاب نفس الحقيقة بتمامها إلى حقيقة أخرى بهذا وسمّى هذا خاصّة بانقلاب الحقيقة ويسمّى الانقلاب الذي يوجد فيه مادة مشتركة متحققة بانقلاب امر في صفة فلا مشاحة في الاصطلاح بعد تبين المرام فان قلت إن أمثال ما ذكر كيف
--> ( 1 ) ممن