آقا بن عابد الدربندي
29
خزائن الأحكام
وتسليم الجريان نحكم بعدم الحجيّة نظرا إلى الأدلة الواردة على الاستصحاب من العمومات الدالة على الطهارة هذا وأنت خبير بانّ هذا المقام كأكثر المقامات مما لم ينقح الكلام فيه في كلمات الاصوليّين مع شدة مسّ الحاجة إلى ذلك فان كلا من الانحاء والوجوه الاوّلة يقتضى نحوا من التحرير المختصّ به والتّسديد الذي لا يوجد في غيره وكذا الامر فيما يقابل ذلك من الانحاء والوجوه الأخيرة فلا وجه لالقاء حبل هذه المباحث المهمّة على غارب الاهمال وسنام الاجمال ثم لا يخفى عليك ان التوقف في حكم مسائل هذا المقام مما ينبعث عن التوقف والتردّد وعدم الترجيح فيما أشير اليه فإذا عدّ التوقّف قولا ولوحظ فيه تعدد الأسباب والوجوه يترقى الأقوال مع هذا اللحاظ إلى ما يقرب من العشرة فخذ الكلام بمجامعه ولا تغفل وكيف كان فان ما يقتضيه التحقيق هو الحكم بجريان الاستصحاب في المقام لمدخولية جملة من الوجوه المتقدّمة إليها الإشارة لعدم الجريان وعدم استنهاض جملة منها من أصلها كاستنهاضها في المقام الاوّل واشباع الكلام لذلك هنا نقضا وابراما وتسديدا وتزييفا مما لا حاجة اليه لتقدم جملة وافية من الكلام فيما مرّ مع أنه يأتي في بعض المقامات الآتية ما يشفى الغرام ويسكت الأوام فليس التعرض لذلك هنا الا التعرّض لما يستلزم الإطالة والتكرار ثم اعلم انّ لعدم حجية الاستصحاب مع القول بجريانه فيه بناء على التحقيق وجها تامّا ودليلا معتبرا فبذلك يمكن الحكم بالطهارة وان قطع النظر عن تماميّة بعض الوجوه التي يأتي إليها الإشارة في بعض المقامات الآتية مما يجرى في المقام كجريانه فيه بذلك الوجه التام والدليل المعتبر في المقام هو دعوى الاجماع من جمع من اعلام متأخري المتاخّرين بل لا يبعدان يقال انّها في حد الاستفاضة كما لا يبعد دعوى الاجماع المحقق الحدسي كما لا يخفى على المتتبع المتدبّر في فتاوى الأصحاب قال السيّد المحقق الكاظمي الخامس من المطهرات الاستحالة لا كلام في طهارة العذرة والميتة وغيرهما من النجاسات باستحالتها دودا كما تظهر النطفة باستحالتها حيوانا والكل اجماعى لأنّ ما تعلق به حكم النجاسة قد زال قطعا وما تجدّد خلق آخر خلق على أصل الطهارة وان كان تخلقه من عين النجاسة لما عرفت من انّ شرط الاستصحاب بقاء الموضوع الذي هو متعلق الحكم وهو هاهنا نفس العذرة والميتة والنطفة ولا شيء منها بعد الاستحالة مع ما جاء في ذلك من النّصوص الدالة على طهارة الحشرات وساير ما لا نفس له على العموم والخصوص وكذلك العذرة وغيرها من النجاسات إذا استحالت ترابا على الأشهر ولو صارت ملحا أمكن ذلك لزوال الاسم والصورة وتردّد المحقّق هنا للشك في الاستحالة هذا لا يقال إنه لا يصحّ الاحتجاج بهذا الاجماع نظرا إلى أنه قد اخذ في المقام بعد دعوى الاجماع نظرا إلى أنه قد اخذ تعليلا متضمنا لقضية انتفاء الموضوع فعسى ان يكون دعوى الاجماع منه لما راه من انتفاء الموضوع ويؤيّد ذلك تفريقه بين قضية الدّيدان ونحوها وبين التراب والملح بجعل كل من ذلك في عنوان خاص ولو كان ذلك على وجه الإشارة بقوله وكذلك الخ وبقوله ولو صارت ملحا الخ لأنه يقال انّ هذا الاعتراض وان كان مما يتجلى في بادي الانظار الجلية إلّا انه ممّا لا وقع له بعد النظر الدّقيق كما لا يخفى على المتتبع أساليب كلمات جملة من المتأخرين فإنهم كثيرا ما يذكرون بعد دعوى الاجماع جملة من التعليلات ولو كانت ضعيفه وليس نظرهم إلى انّ تحقق الاجماع لذلك فان ذلك مما لا يناسب مذهب الاماميّة في الاجماع بل إن ذلك من باب التسامح في العبارة لنكتة غير خفية والتسديد للحكم المذكور ثم العجب من التّاييد المذكور فإنه بعد امعان النظر تأييد لما قلنا ألا ترى قوله إذا استحالت ترابا على الأشهر ووجه التأييد غير خفى وبالجملة فانّ ما نقلنا عنه وان كان مما يتطرق اليه المناقشة من وجوه عديدة إلّا انّه مما لا ضير في الاحتجاج بما في صدر كلامه في العنوان الأول من دعوى الاجماع بناء على حجية الاجماع المنقول ثم انّ من أساطين من ادّعوا الاجماع في المقام السيّد السّند السيّد مهدى الطباطبائي قدّس سرّه حيث قال في درّته المنظومة والدّم والنطفة يطهران إذا استحالا طاهر الحيوان وكلّما من نجس تكوّنا فصار حيوانا فطهر عندنا وعقد الباب وجملة الأمران مطهرية الاستحالة من حيث هي هي ليست مما اتفق عليها كلية فاتفقوا على مطهريتها في مواضع واختلفوا في مواضع فمن الأولى الدّم والنطفة فإنهما يطهران إذا استحالا طاهر الحيوان وكذا كل ما تكوّن من نجس فصار حيوانا « 1 » والخنافس والضفادع وغيرها ومنها الماء النجس إذا صار بولا أو عرقا أو لعابا لحيوان مأكول اللحم أو جزءا من الخضراوات والحبوب والثمار والأشجار ومنها الغذاء النجس إذا صار روثا أو لبنا لماكول اللحم ومنها الدّم النّجس إذا صار قيحا أو صديدا أو جزءا مما لا نفس له ثم إن ما يتعلّق بالمقام من أن العمومات الدالة على الطهارة في الأشياء والعمومات الدالة على الطهارة في الحيوانات التي مرت إليها الإشارة وقاعدة دوران الاحكام مدار الأسماء هل يمكن التمسّك بها في المقام أم لا مما يعلم حاله فيما يأتي وكذا جملة من الأمور المتعلّقة بالمقام المقام الثالث : المقام الثّالث في بيان الحال وتحقيق المقال في الامر الذي انزل درجة مما في المقام الثاني بان يكون الانقلاب والاستحالة فيه لا على نهج طلب الطبائع المراتب الكمالية بحسب استعدادها والوصول إلى أقصى ما هي طالبة إياه ولا يسمّى في العرف بما فيه خلق جديد وإفاضة خاصّة كما في المقام الأول والثاني ولا يكون أيضا المنقلب اليه مما وقع في مراتب الانحطاطات للمنقلب عنه وذلك كما في الكلب الواقع في المملحة الصّائر ملحا وهكذا ساير النجاسات والميتات فنقول ان جماعة من أصحابنا
--> ( 1 ) كالديدان المتكوّنة من العذرة والميتات النجسة