آقا بن عابد الدربندي
17
خزائن الأحكام
ويغيّر « 1 » صور الأجسام الرّخوة ضروبا من التغير وأعيانها لم تزدد ولم تنقص هذا و في بيان أن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي ولا بصورة أحد من الأوصياء بالجملة فان قول من قال إنه لو قدر الجنّ على تغيّر صور أنفسهم باىّ صورة شاءوا لوجب ان ترتفع الثقة عن معرفة الناس كالاحتجاج على ذلك عدم ذلك المنبعث عنه عدم جواز الرؤية بجملة من الآيات مما يدفعه بعد الأخبار المستفيضة بل المتواترة « 2 » معنى الدالة على أن مؤمني الجنّ كانوا يجيئون إلى الأئمة ع ويسألونهم عن المسائل الشرعيّة وقد رآهم حين خروجهم من بيوت الأئمة ع جماعة من الأصحاب وبعد اخبار جماعة يمتنع العقل تواطئهم على الكذب بوقوع المجامعة والمناكحة بينهم وبين الانس حتى في هذه الأزمنة قول النبي ص البالغ حدّ الاستفاضة من رآني فقد رآني ومن رأى أحدا من أوصيائي فقد راه فإن الشيطان لا يتمثّل بي ولا بأحد من أوصيائي والتقريب غير خفى فالحجّة المذكورة ليست بحجة وان أضيف اليه ان ذلك مما يضرّ في باب اثبات النبوات بالمعجزات بتقريب غير خفى إذ الجواب عن كل ذلك على نهج الحل التفصيلي مما لا يخفى على النّدس النطس فقد بان أيضا بما أشرنا اليه ان القول بانّهم ليسوا بأجسام بل أرواح خبيثة باطل على أن ذلك مخالف لظواهر الكتاب والاخبار بل لصراحتها وبسبب لطافة أجسامهم لطافة لا تقبل التفرّق والتمزق والفساد والبطلان يلجون في اعماق الاجرام الكثيفة ونظير ذلك ولو من وجه روح الانسان على بعض الأقوال ثم إن في وسوستهم في الانسان أقوالا وما يناسب ما ذكرنا انما هو على نهج الولوج في البدن ويمكن ان يقال بغيره أيضا ووسوستهم انما بحسب الذكر فقط والعزم والإرادة وفعل المعصية من الانسان باختياره وقد يفعل الانسان المعاصي من غير أن يحضروا ويوسوسوا وكيف كان فان عدم جواز الانقلاب في حقايق أرواحهم حين ظهورهم في صور الحيوانات وغيرها ممّا لا ريب فيه ولا شك يعتريه وانما الكلام في الانقلاب والتقليب ح بحسب أجسادهم ففيه اشكال والحق ان يقال إن مثل هذا أيضا من قبيل الانقلاب الذي نحن في صدد بيانه وقس على ذلك الكلام في الملائكة حرفا بحرف الا انّهم لا يتمثلون بالصور الخبيثة ثم اعلم أنه قد ورد في الآثار ان الملائكة يطيّرون وانّ لهم أجنحة وريشا وزغبا وانها ترى ساقطة في فرش وبسط الأئمة ع والحفتهم محشوة من رئيس الملائكة وزغبهم وقد تعرّض البعض لبيان السرّ في ذلك كبيان طيران أرواح المؤمنين في الجنان في ظهر الكوفة بقوله ان النفوس القدسيّة أنسيتها وملكيتها لما كانت بكمالاتها الذاتية والكسبيّة ترتقى إلى ذروة العوالم الإلهية وحقيقة الجناح والريش ليست الا ما يتمكن من الصّعود من دون توسّط آلة خارجة فالجناح الأيمن هي المعارف الالهيّة والأيسر هي العبادات المقربة إلى جناب الرّبوبية والرّيش والزّغب عبارة عن كليات العلوم والاعمال وجزئياتهما أصولا وفروعا بحسب مناسبات يقع بينهما بالترتيب والتقدّم والتأخر فالأرواح الانسيّة بسبب خطاياهم وخطايا أبيهم وبوجوه أخر سقط ريشها فهبطت إلى العالم الذي يقرب من عالمها إلى أن وقعت في هذا العالم الأسفل فأعطاها اللّه تعالى قوى وأعضاء وآلات تحاكى ريشها وزغبها وجناحها بحيث لو سلكت سبل الهداية وصرفتها فيما خلقت له صارت تلك القوى والأعضاء جناحا وريشا لها في بيان معنى الجناح والريش في الملائكة ولما كانت الملائكة لا يعصون اللّه ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون بقوا على أجنحتها وريشها وزغبها مما يناسب عالمهم وترتبهم واما السرّ في سقوط الرّيش والزغب في بيوت الأئمة ع فهو ان الحقائق العلويّة بحسب ما أعطاها اللّه تعالى من القوة والقدرة لما توجّهت إلى العالم الذي تحت حيطتها تصوّرت هي وجميع ما لها من الكمالات والصفات بصورة مناسبة لذلك العالم ألا ترى ان الصور العقلية لا يسعها ظرف الخيال وكذا الصور الخيالية لا يسعها مضيق عالم الحسّ فما لم يتلبس الصور العقلية بكسوة مطمورة الخيال لم يدخل في القوة الخيالية وهكذا فالملائكة الذين هم من عالم الامر لما كانوا من معدن الحياة وجب ان يتراءى بصورة حيوانية وعلومها وأذكارها وكمالاتها التي هي من توابعهم وبها يقدرون على الذهاب والمجيء بحكم اللّه تعالى تصورت بصورة الجناح والرّيش ففي العالم الخيالي بما يناسب ذلك العالم وعالم الشهادة بما يناسب تلك المرتبة من دون مجاز واستعارة وبالجملة لما جاءوا إلى هذا العالم صاروا من موجودات ذلك العالم وباعتبار القوى والكمالات التي يطيرون بها في فناء القدس صاروا من أصناف الطير وما يلزمها من الجناح والرّيش وغيرهما هذا ولا يخفى عليك ان ما ذكره شريف ونظر لطيف يمكن استنباطه من الكتاب الكريم وهو كما تقدّم مما يسدد ويؤيّد به ما صرنا اليه في امر الحقائق سفليّة أو علويّة كما يسدّد به ما قرّر في بعض المقامات من أن العالم عالمان والحضرة حضرتان يتولد عنهما حضرة ثالثة فالحضرة الواحدة حضرة الغيب وعالمها عالم الغيب والحضرة الثانية حضرة الحسّ وعالمها عالم الشهادة ومدرك هذا العالم البصر ومدرك عالم الغيب البصيرة والمتولد من اجتماعهما حضرة الخيال وعالمها عالم المثال وهو عالم ظهور المعاني في القوالب المحسوسة كالعلم في صورة اللّبن والثبات في الدّين في صورة القيد والاسلام في صورة العمد والايمان في صورة العروة وجبرئيل ع في صورة دحية الكلبي وصورة الاعرابى وتمثله لمريم في صورة بشر سوى وبالجملة ظهور هذا العالم الوسطى مثل ما يظهر السواد في جسم العفص والزاج عند اجتماعهما ولم يكن لهما ذلك الوصف قبله ولذلك كانت حضرة المثال الملكوتي أوسع الحضرات والعامة لا يعرفها الا حين النّوم ورجوع الفوى بالنوم إليها والخواص يرونها في اليقظة أيضا لقوّة التحقق بها وتمثل الانسان في حضرة المثال أولى وأقرب من الملائكة لانّ سنخه فيه دون الملائكة وكذا له بحسب نشأته دخول في عالم الغيب بروحه الذي هو باطنه وله في عالم الشهادة دخول بحسّه « 3 » الذي هو ظاهره والرّوحانى ليس كذلك وليس له دخول في عالم الشهادة الا بالتمثل في عالم الخيال فيشهده الحسّ في الخيال صورة ممثلة نوما
--> ( 1 ) صور ( 2 ) معنى ( 3 ) بجسمه