السيد عبد الأعلى السبزواري
43
تهذيب الأصول
إن قلت : نعم ، ولكن حكم الشرع في مورد حكم العقل يكون باطلا ، لأنه لإيجاد الداعي وهو حاصل من حكم العقل فلا احتياج إليه . قلت : الاحتياج إليه لتأكيد الداعي وإتمام الحجة وتصحيح الثواب والعقاب ، فيصح أن يكون حكم الشارع في موارد حكم العقل مولويا لا إرشاديا . ثم إنه يمكن أن يجعل النزاع في الملازمة لفظيا ، فمن قال بها أي بالمعنى الذي قلناه ، ومن قال بعدمها أي في حكم العقل الجزئي الذي لا يحيط بشيء ولا يصدقه سائر العقلاء ، هذا في أصل القضية . وأما عكسها - وهو أن كل ما حكم به الشرع حكم به العقل - فان أريد به أن كل ما حكم به الشرع حكم العقلاء به كافة من حيث عقلهم على نحو الجملة والإجمال ، وأن حكم الشرع يكون عن مصلحة أو مفسدة تقتضيه ، فهو حق لا ريب فيه . وإن أريد به أن في كل مورد من موارد حكم الشرع يحكم العقل به أيضا بالخصوص مثله ، فهو ممنوع لعدم إحاطة العقول بمثل ذلك إلا من طريق الوحي والإلهام ، وهما مختصان بخاصة أولياء اللّه الذين لم تحجب العوائق والعلائق ذواتهم القدسية ونفوسهم النورية عن وصول الإفاضات الغيبية عليهم . ويمكن أن يجعل هذا النزاع لفظيا أيضا ، فمن أثبت الملازمة أي بين حكم العقل بنحو الجملة والإجمال وحكم الشرع ، ومن نفاها أي بينهما بنحو التفصيل . وما اشتهر من أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية ، فإن أريد منه ما ذكرناه فهو حق ، وإلا فإثبات كليته يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، ويحتمل أن يكون المراد به معنى آخر لا ربط له بالمقام أصلا . وهو أن العبادات الواجبة شرعا توجب استعداد النفس لإفاضة المعارف الإلهية عليها التي هي الواجبات العقلية ، ويشير إليه قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا .