أحمد الرحماني الهمداني
692
الإمام علي بن أبي طالب ( ع )
على الغافلين ، ولا استغمز بالشديدة : لا أضعف للخطوب وإن اشتدت . ولا يصانع : لا يداري . ولا يضارع : لا يشبه المبطلين في شئ من أحكامه ، وقيل : لا يخضع ولا يضرع . والمستفاد من هذه الكلمات الشريفة أن عليا عليه السلام يعرف الفرص والوسائل والأسباب إلى بلوغ الملك والسلطان ولكنه لا يستعملها على حساب دينه ، فإنه عليه السلام لا يعلم من النجاح والظفر إلا مرضاة الله ، والعمل بالحق والعدل ، وهو عليه السلام مستعد لأن يضحي بالنفس والملك وبكل عزيز ليبلغ هذه الغاية . وقال ابن أبي الحديد : إن فاطمة عليها السلام حرضته يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها : أيسرك زوال هذا النداء من الأرض ؟ قالت : لا ، قال : فإنه ما أقول لك ( 1 ) . وقال - أيضا : ( اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة ، إلا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أولم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله ، وأمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة ، مدفوعا إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك . ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب ، ولا ناسبين إليه ما هو منزه عنه ، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ويؤمي تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ، ويكيد خصمه ، ويأمر أمراء بالكيد والحيلة ، ويؤدب بالدرة والسوط - إلى أن قال - ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك ، وكان يقف مع
--> ( 61 ) - ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج 11 : ص 123 .