أحمد الرحماني الهمداني
508
الإمام علي بن أبي طالب ( ع )
إن المراد من هذه الأمثال الواردة في القرآن مقصور على معانيها الباطنية العقلية من غير تحقق الصور المحسوسة كما يقوله الباطنية ، كلا ، بل نقول : الغرض منها العبور من مظاهرها إلى مطاويها ، ومن صورها إلى معانيها ، فإن للقرآن ظهرا وبطنا ، وتأويلا وتفسيرا . ثم إذا شبه العلم مطلقا بالماء فيترتب عليه تشبيه أقسامه بأقسامه ، كتشبيه العلوم الحقة الخالية عن الشبه والشكوك بالماء الطاهر الزلال ، والعلوم التي بخلافها بالماء الكدر المخلوط بالكثايف ، وكتشبيه اليقينات الدائمة بالماء الجاري أبدا ، والتي بخلافها بالماء المنقطع ، وكتشبيه العلم الذي يفيض من عند الله بإلهامه بلا واسطة معلم بشري بالماء النازل من السماء الجارية في الأودية ( 1 ) بلا سعي وتعمل آلة وحفر قناة واستنباط ، والذي يحصل بالفكر والروية كالماء المستنبط من الأرض بالحفر ونحوه ، والذي يحصل بالتقليد كالماء الذي يفرغ من حوض إلى حوض ( 2 ) . 2 - قال العلامة الفيض رحمه الله : ( يخطر بالبال أن مثال الكوثر في الدنيا هو العلم والحكمة ، ومثال أوانيه علماء الأمة ، ولهذا فسر بالخير الكثير ، فإن الله عز وجل يقول : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ( 3 ) . ويؤيد هذا ما رواه بعض علماء العامة عن مولانا الصادق عليه السلام في تأويل الآية : إنا أعطيناك نورا في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي ، قال : وكان هذا منه عليه السلام نوع
--> ( 1 ) - إشارة إلى الآية 17 من سورة الرعد ، وكقوله تعالى : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ( فاطر ، 35 : 12 ) فإنه تمثيل للأيمان والكفر ، وهما نوعان من العلم . وكقول أمير المؤمنين عليه السلام في ( الكافي ) ( باب معرفة الأمام ) : ( ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض ، ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر الله لا نفاد لها ولا انقطاع ) ، فإنه عليه السلام شبه علوم الأئمة عليهم السلام بالعيون الصافية . ( 2 ) - شرح أصول الكافي / باب معرفة الامام ، ص 477 ، ط طهران . ( 3 ) - البقرة ، 2 : 269 .