تقرير بحث السيد الخميني للسبحاني
16
تهذيب الأصول
وكذا لو بلّغ بعض الأحكام دون البعض يكون التعذيب بالنسبة إلى ما لم يبلّغ مخالفاً للوعد في الآية . وكذا لو بلّغ إلى بعض الناس دون بعض لا يصحّ أن يقال : إنّه يعذّب الجميع ؛ لأنّه بعث الرسول . وكذا لو بلّغ جميع الأحكام في عصره ثمّ انقطع الوصول إلى الأعصار المتأخّرة . وهذا أو أشباهه يدلّ على أنّ الغاية لاستحقاق العذاب هو التبليغ الواصل ، وأنّ ذكر بعث الرسول مع انتخاب هذه الكلمة كناية عن إيصال الأحكام وإتمام الحجّة ، وأنّ التبليغ غير الواصل في حكم العدم ، وأنّه لا يصحّح العذاب ، كما أنّ وجود الرسول بين الامّة بلا تبليغ كذلك . وعلى ذلك : فلو بحث المكلّف عن تكليفه ووظيفته بحثاً أكيداً ، فلم يصل إلى ما هو حجّة عليه - من علم تفصيلي أو إجمالي وغيرهما من الحجج - فلا شكّ أنّه يكون مشمولًا لقوله عزّ وجلّ : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » ؛ لما عرفت من أنّ الغاية للوعيد بحسب اللبّ هو إيصال الأحكام إلى العباد ، وأنّ بعث الرسل ليس له موضوعية فيما رتّب عليه . وإن شئت قلت : إنّ قوله تعالى : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ » تنزيه للحقّ تعالى شأنه ، وهو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقامه الربوبي ، وأنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر ؛ فلذلك عبّر بقوله : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ » ، دون أن يقول : « وما عذّبنا » ، أو « ما أنزلنا العذاب » ، وذلك للإشارة إلى أنّ هذا الأمر منافٍ لمقامه الأرفع وشأنه الأجلّ . وبعبارة أوضح : أنّ الآية مسوقة : إمّا لإفادة أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لعدله وقسطه ، أو منافٍ لرحمته وعطوفته ولطفه على العباد . فلو أفاد الأوّل لَدلّ على نفي الاستحقاق وأنّ تعذيب العبد حين ذاك أمر