تقرير بحث السيد الخميني للسبحاني
49
تهذيب الأصول
ومن ذلك يظهر : أنّه لا استحالة في كون المقرّب مبعّداً والمبعّد مقرّباً ؛ لأنّ المراد منها ليس هو القرب والبعد المكانيين حتّى لا يمكن اجتماعهما ، بل المعنوي من ذلك ، وهو ليس أمراً حقيقياً بل اعتبارياً عقلائياً يدور مدار الجهات الموجبة له عندهم . ولذلك يرى العقل والعقلاء الفرق بين مَن ضرب ابن المولى في الدار المغصوبة ومن أكرمه فيها ؛ فحركة اليد لإكرام ابن المولى من جهة أنّها إكرام محبوبة وصالحة للمقرّبية ، ومن جهة أنّها تصرّف في مال الغير عدواناً مبغوضة ومبعّدة . ومسّ رأس اليتيم في الدار المغصوبة من جهة أنّه الرحمة عليه حَسَن وذو مصلحة ، ومن جهة أنّه تصرّف في مال الغير قبيح وذو مفسدة . والصلاة في الدار المغصوبة من جهة أنّها مصداق الصلاة محبوبة ومقرّبة ، ومن جهة أنّها مصداق الغصب مبغوضة ومبعّدة « 1 » . وقد عرفت : أنّ الشيء الواحد - حتّى البسيط منه - يجوز أن يتّصف بمثل هذه الانتزاعيات . ولو أمكن أن يكون الشيء الواحد محبوباً لجهة ومبغوضاً لجهة أمكن أن يكون مقرّباً ومبعّداً من جهتين ، من غير لزوم تضادّ وامتناع . وأظنّ : أنّك لو تدبّرت فيما هو الملاك في كون الشيء مقرّباً ومبعّداً عند العقلاء ، وأنّ التقرّب والتبعّد في هاتيك المقامات يدوران مدار الاعتبار يسهّل لك تصديق ما ذكرنا .
--> ( 1 ) - كفاية الأصول : 193 .