تقرير بحث السيد الخميني للسبحاني
45
تهذيب الأصول
وأمّا القسم الآخر - أعني الحاكيات من الحروف - فتوضيحه : أنّك قد عرفت أنّ معاني الحروف نفس الربط والتدلّي بالغير والقيام بشيء آخر خارجاً وذهناً ، فهي إذن لا تتقوّم في الخارج إلّا بالوجودات المستقلّة مفهوماً ووجوداً كالجواهر ، أو مفهوماً فقط كالأعراض ، كما أنّه لا تتقوّم في الذهن إلّا أن تلحظ حالة للغير ومندكّة فيه ، وإلّا لزم الانقلاب فيها ، وخرجت عن كونها معانٍ حرفية . وقس على هذا مقام الدلالة - أصلها وكيفيتها - فلا يستفاد من الحروف المجرّدة معنى ما لم يضمّ إليها شيء من الأسماء ، كما أنّ كيفية دلالتها - أعني دلالتها على الوحدة والكثرة - أيضاً كذلك ، فتدلّ على الواحد عند كون أطرافها واحدة ، وعلى الكثير عند كونها كثيرة . تجد جميع ذلك - أعني عدم استقلالها في المراحل الأربعة : الوجود الخارجي والذهني والدلالة وكيفيتها - عند التأمّل في قولنا : « زيد في الدار » ، أو « كلّ عالم في الدار » ؛ إذ لا شكّ أنّ لفظة « زيد » تحكي عن الواحد الشخصي ، ولفظة « كلّ » عن الكثرة التفصيلية ، ولفظة « عالم » تدلّ على المتلبّس بالمبدأ ، والظرف - أعني « الدار » - على المكان المعهود . فإذن هلمّ نحاسب مفاد لفظة « في » ؛ فإنّك لا تشكّ - مهما شككت في شيء - أنّ مفهومها في المثال الثاني هو الروابط الحاصلة بين كلّ واحد من أفراد العالم وبين الدار ، وانتساب كلّ فرد إليها ، كما أنّ معناها في الأوّل هو انتساب واحد فقط ، وما ذلك إلّا من جهة اختلاف الطرفين بالوحدة والكثرة ، لا من جهة نفس الرابطة مستقلّة . هذا ، مع أنّ التبعية في الدلالة لا تجامع الاستقلال في كيفيتها . إذا تمهّد ذلك فنقول : المعنى الذي هذا شأنه - الموصوف بأنّه لا يستقلّ