تقرير بحث السيد الخميني للاشتهاردي

29

تنقيح الأصول

فنقول : قد استشكل في المقام على اختياريّة الأفعال الصادرة من المكلَّفين : بأنّ الفعل الاختياري هو ما كان مسبوقاً بالإرادة والاختيار ، فننقل الكلام إلى هذه الإرادة والاختيار ، فيقال : إنّها لا يمكن أن تكون بالاختيار ؛ للزوم كونها مسبوقةً بإرادة أخرى ، وننقل الكلام إليها . . وهكذا ، فإمّا أن تتسلسل ، وهو محال ، أو تنتهي إلى إرادة أزليّة ، فيلزم الجبر ، وحينئذٍ فلا تصحّ العقوبة على الفعل الصادر من المكلَّف « 1 » . أقول : قبل الخوض في إقامة البرهان على اختياريّة الأفعال لا بدّ من الرجوع إلى الوجدان وحكم العقل والعقلاء في المقام ، ثمّ إقامة البرهان عليه فنقول لا ريب في أنّ موضوع صحّة العقوبة عند العقل والعقلاء في جميع الأعصار والأمصار هو صدور الفعل عن المكلَّف بالإرادة والاختيار ، لا بالإكراه والاضطرار ، مثل حركة يد المرتعش بدون الالتفات والتوجّه إلى نفس الإرادة ومباديها ؛ وأنّها بالاختيار أولا . وبالجملة : موضوع صحّة العقوبة هو صدور الفعل بالاختيار فقط ، لا اختياريّته مع مباديه ، وإلّا فلو فرض أنّه كذلك فلا بدّ أن يقع بجميع مباديه بالاختيار ، ولا وجه للتفصيل - حينئذٍ - بين المبادي ؛ وأنّ المعتبر صدور الفعل مع بعض مباديه بالاختيار دون البعض الآخر منها ، ومن المبادي وجود الفاعل ، بل وجود الأفلاك ، بل وجود الباري تعالى الموجد لكلّ شيءٍ ، فكما أنّ الخطور والتصديق بالفائدة من مبادي الفعل ، كذلك هذه المذكورات ، ولا ريب في أنّها خارجة عن تحت اختيار المكلَّف ، ولا يمكن الالتزام بأنّ موضوعها هو اختياريّة الفعل مع جميع مباديه ، ولا وجه للتفكيك بين بعضها وبعضها الآخر ، فتعيّن أنّ المعتبر هو صدور الفعل عن إرادة واختيار ؛ ألا ترى أنّ الإنسان قد يشتاق إلى الفعل غاية الاشتياق ومع ذلك لا يريده ، وقد يكرهه غاية الكراهة ومع ذلك يريده ، وهذا دليل على أنّ اختياره ليس

--> ( 1 ) - نفس المصدر .