السيد عبد الحسين اللاري

309

تقريرات في أصول الفقه

وإن بلغ الفحص إلى حدّ العذر واليأس عنه ، لا عدم جواز العمل به قبل الفحص فقط كما هو المدّعى . وثالثا : على تقدير تسليم بلوغه إلى تلك المرتبة لا يوجب إجمال العامّ إلّا إذا تجرّد العامّ عن الاقتران بشيء من القرائن المعيّنة للتخصيص ، وهو مجرّد فرض لا وقوع له ، إذ لا يكاد يوجد عام مجرّد عن جميع القرائن المقارنة الدالّة على تخصيصه ، فإنّ العامّ إذا لم يقترن بشيء من قرائن التخصيص المتّصلة به فلا أقلّ من اقترانه بقرينة عقليّة أو عاديّة . ولو فرض تجرّده عن ذلك أيضا فلا أقل من اقترانه بالعلم بتخصيصه بشيء من قاعده لا ضرر ولا ضرار ، أو قاعدة نفي الجرح ، أو غير ذلك من القواعد الشرعية وغيرها ، ومن المعلوم أيضا أنّ مجرد الاقتران بتخصيص ما يكفي في رفع الإجمال الناشئ عن كثرة التخصيص في نوع العمومات ، فإنّ كثرة التخصيص في نوع العموم وإن بلغ ما بلغ لا يقضي كثرة مقدار التخصيص ، بل يصدق على مسمّى التخصيص ومجرّد تخصيص ما في أفراد العامّ . فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ حقيقة عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص ليس لبلوغ تخصيصه إلى مرتبة المجاز المشهور المساوي احتماله لاحتمال العموم ، بل إنّما هو لوجوه أخر ، منها : أنّ كلّ فرد من أفراد العمومات بعد العلم الإجمالي بتخصيص نوعها غير مظنون الإرادة ، وكلّ ما هو غير مظنون الإرادة من الظواهر ليس بمعتبر ولا حجّة ، أمّا الصغرى فبالوجدان ، وأمّا الكبرى فبالبرهان الذي أسلفناه في تذنيب علائم الوضع من استقراء بناء العقلاء وسيرة العلماء والعرفاء على اعتبار ظواهر الألفاظ من باب الظنّ والكشف عن المراد ، لا من باب صرف التعبّد والموضوعية .