محمد بيومي مهران

34

الإمامة وأهل البيت

الناس ، لا تشكو عليا ، فوالله إنه لجيش في ذات الله ) . ويلوح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يحب الإمام علي ، وكان يحببه إلى الناس ، ليمهد له سبيل الخلافة في وقت من الأوقات ، لكن على أن يختاره الناس طواعية وحبا ، لا أن يكون اختياره حقا من حقوق العصبية الهاشمية ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - قد اتقى هذه العصبية ، جهد اتقائه ، ولم يحذر خطرا على الدين ، أشد من حذره أن يحسبه الناس سبيلا إلى الملك والدولة في بني هاشم - أو في غيرهم - وقد حرم صلى الله عليه وسلم ، نفسه من حظوظ الدنيا ، وأقصى معظم بني هاشم عن الولاية والعمالة ، لينفي هذه الظنة ، ويدع الحكم للناس ، يختارون من يرضونه له ، بالرأي والمشيئة . فالتزم في التمهيد للإمام علي وسائل ملموحة ، لا تتعدى التدريب والكفالة ، إلى التقديم والوكالة ، أرسله في سرية إلى ( فدك ) لغزو قبيلة بني سعد اليهودية ، وأرسله إلى اليمن للدعوة إلى الإسلام ، وأرسله إلى ( منى ) ليقرأ على الناس سورة براءة ، ويبين لهم حكم الدين في حج المشركين ، وزيارة بيت الله الحرام ، وأقامه على المدينة ، حين خرج المسلمون إلى غزوة تبوك . ولم يفته - مع هذا كله - أن يلمح الجفوة بينه وبين بعض الناس ، وأن يكله إلى السن تعمل عملها مع الأيام ، ويكلهم في شأنه إلى ما ارتضوه ، عسى أن تسنح الفرصة لمزيد من الألفة بينهم وبينه . ثم يقول الأستاذ العقاد : هذا - فيما نعتقد - أصح علاقة يتخيلها العقل ، وتنبئ عنها الحوادث بين النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين ابن عمه العظيم ، وربما كانت أصح العلاقات المعقولة ، لأنها هي وحدها العلاقة الممكنة المأمونة ، وكل ما عداها فهو بعيد من الإمكان ، بعده من الأمان ، فهو يحبه ، ويمهد له ، وينظر إلى غده ، ويسره أن يحبه الناس ، كما أحبه ، وأن يحين الحين الذي يكلون فيه أمورهم إليه .