آقا ضياء العراقي
57
بدائع الافكار في الأصول
لا شبهة في أن الابتداء الذي هو معنى لفظ من له جزئيات خارجية متماثلة ولا ريب في أن تماثلها إنما يكون بأمر ذاتي داخل في قوام ذاتها مشترك بينها والذي يدل على ذلك هو أنا نجد أن الحرف كمن مثلا يستعمل في جزئيات معناه بعناية واحد والعرف لا يرى ذلك في استعماله في الجزئيات المتعددة من متكثر المعنى وأنه مشترك لفظي بل يراه من متحد المعنى وأن استعماله في جميع تلك الجزئيات بلحاظ واحد على حد استعمال الاسم غير العلم في جزئيات معناه وأيضا نجد الحرف يستعمل في طبيعي معناه بلا عناية كما في مثل قولنا سر من البصرة إلى الكوفة فان لفظ من وإلى في المثال المزبور لا شبهة في أنهما استعملا في طبيعي معناهما كاستعمال لفظ سر وان استعمالهما في مثل المورد على نحو استعمالهما في مثل قولنا سرت من البصرة إلى الكوفة فإذا تحقق أن بين جزئيات المعنى الحرفي قدرا مشتركا بينها فلا مانع من الوضع لذلك القدر المشترك كما أنه هو الواقع والاستعمالات المذكورة أصدق شاهد عليه ولا ينافي ذلك تبادر المعنى الخاص من الحرف في مقام استعماله في موارده الخاصة سواء كان ذلك المتبادر حصة من طبيعي معنى الحرف كما في مثل سر من البصرة إلى الكوفة أم كان فردا من افراده كما في مثل سرت من البصرة إلى الكوفة فان تبادر الخصوصية في كلا الفرضين غير مستند إلى نفس الحرف ليكون دليلا على وضعه للخاص بل هو مستند إلى قرائن تحف بالحرف سواء كانت حالية أم مقالية مثلا ذكر البصرة والكوفة أوجب تضييق معنى لفظ من وإلى حتى صار حصة منه في مثل سر من البصرة إلى الكوفة لأن تصور معناه متوقف على تصور مدخوله من المعاني الاسمية لكونه معنى ارتباطيا متقوما في حد ذاته بالارتباط بغيره وإن كانت خصوصية تقيده بمدخوله غير مأخوذة في قوام معناه . فاتضح مما ذكرناه أن الموضوع له كالوضع في الحروف عام إذ قد عرفت أن الموضوع له فيها هو القدر المشترك بين جزئيات المعنى الحرفي الذي لا يكاد ينفك عن الخصوصيات التي تضيق سعته ولا يمكن تصوره إلا في ضمن تصورها ولا فرق في ذلك بين كون الخصوصية التي يقترن بها المعنى الحرفي كلية في الجملة كما في مثل قولنا سر من البصرة وبين كونها جزئية حقيقية مثل قولنا سرت من البصرة فان لفظ من في كلتا الصورتين مستعمل في القدر المشترك غاية الأمر أن