السيد محمد باقر الصدر
565
بحوث في علم الأصول
2 - النوع الثاني : من القسم الأول ، وهو ما إذا كان كلّ من الدليلين مجمل بالذات ، وكان هذان الدليلان المجملان على نحو ، بحيث أنّ بعض محتملات كلّ منهما يتطابق مع بعض محتملات الآخر ، ولكن بعض محتملات كلّ منهما يتعارض مع بعض محتملات الآخر ، أي أنّه كان في كلّ دليل منهما احتمالان ، وعلى تقدير حملهما على أحد احتماليهما لا يتعارضان ، وعلى تقدير حملهما على احتماليهما الآخرين يتعارضان . ومثال هذا النوع روايات « الكرّ » كما وردت في الأخبار « 1 » لا كما مثّلنا سابقا ، حيث أنّ صحيحة محمّد بن مسلم تقول : « الكرّ ستمائة رطل » وبلا أيّ قيد ، ومرسلة ابن أبي عمير تقول : « الكرّ ألف ومائتا رطل » وبلا قيد أيضا . وحينئذ نقول : إذا حملت الرواية الأولى على المكّي ، والثانية على العراقي ، فهما متّفقتان ، لأنّ الرطل المكّي ضعف الرطل العراقي ، وأمّا إذا عكسنا الأمر أو حملناهما معا على المكّي ، أو معا على العراقي ، فهما متعارضتان ، وحينئذ ، في مثل هذا ، هل يمكن رفع الإجمال بذلك الحمل وتعيين الحكم ؟ لا إشكال في هذه الفرضية في حجية كلا الدليلين على إجمالهما ، وذلك لأنّ ما يسقطهما عن الحجية إنّما هو التعارض ، والتعارض غير محرز بينهما في المقام وإن كان محتملا ، ومجرّد احتمال التعارض لا يوجب سقوطهما عن الحجية إلّا إذا كان محرزا ، إذ المناط في السقوط هو إحراز المعارض ، وحينئذ إذا ثبتت حجيّة كلّ من الدليلين بدليل الحجية ، فيكون عندنا قضيتان مجملتان . وحينئذ نقول : إنّه يمكن رفع الإجمال في المقام بوجه يتمّ حتى لو فرض أنّنا أمضينا الإشكال وسلّمناه في النوع السابق ، وذلك بأن نقول : إنّنا لا نريد هنا أن نحمل الرطل في رواية الستمائة على المكّي ،
--> ( 1 ) الوسائل - ج 1 - م 1 - ص 123 - 124 - باب 11 - مقدار الكر بالأرطال .