السيد محمد باقر الصدر

537

بحوث في علم الأصول

الأول : الاستغراقية في عالم الامتثال ، بمعنى انّ الطبيعة المنهي عنها يتوقف امتثالها خارجا على ترك تمام أفرادها ، بخلاف الطبيعة المأمور بها ، فإنّه يكفي في امتثالها الإتيان بفرد واحد منها : الثاني : الاستغراقية بحسب عالم الحكم ، ومعناه ، انّ الحكم يتعدد بتعدد أفراد الطبيعة ، وفي مقابله البدلية ، ومعناها انّ الحكم واحد له امتثال واحد ، وعصيان واحد . وحينئذ نقول : إنّ النقض ، إن كان بالمعنى الأول للاستغراقية ، أي الاستغراقية بلحاظ عالم الامتثال ، فهذه الاستغراقية إنّما هي بحكم العقل القاضي بأن ترك الطبيعة المنهي عنها لا يكون إلّا بترك جميع أفرادها ، كما ذكر صاحب الكفاية . وإن كان النقض بالاستغراقية بالمعنى الثاني . أي بلحاظ عالم الحكم ، بحيث لو قال المولى : « لا ترسم خطا » ، فرسمنا ثلاث خطوط ، نكون قد استحققنا ثلاث عقابات ، وذلك لتعدّد العصيان . فجوابه : إنّ الاستغراقية في عالم النهي إنّما كانت بواسطة قرينة خارجية انضمّت إلى الدليل فأوجبت ظهورا عرفيا فيه ، وتلك القرينة هي ، غلبة كون المفسدة انحلالية ، إذ هذا هو الذي أوجب ذلك الظهور ، حيث لم ينشأ هذا الظهور من نفس الكلام . وبهذا تتضح النكتة في انسلاخ اسم الجنس عن قابليته للتعين في الإطلاق الشمولي عند دخول تنوين التنكير عليه . ومنه يتّضح انسلاخه عن قابليته للتعيين في فرد مخصوص بعد دخول تنوين التنكير عليه أيضا كما في الانسلاخ الثاني ، ففي قوله تعالى : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ، فإنّه هنا لا يمكن أن يريد من لفظ « رجل » شخصا معيّنا ، لا بمعنى انّه ليس للمتكلّم نظر إلى شخص معيّن ، بل بمعنى انّه من ناحية الكلام يجب أن لا يعيّن شخصا ، فهو غير متعيّن كلاما لا في نفس