السيد محمد باقر الصدر
527
بحوث في علم الأصول
قابلية أن يثبت تعدد الحكم إلّا إذا قامت قرينة عرفيّة من الداخل أو الخارج على انّ الحكم متعدّد كما هو الحال في النهي بالنسبة إلى متعلّقه ، فإنّ النهي بالنسبة إلى متعلّقه ، وإن كان مقتضى الأصل فيه وحدة الحكم كما في خطاب لا تشرب الخمرة ، لأنّه لو خلّي وطبعه يقتضي أن لا يثبت إلّا حكما واحدا ، لكن وجود قرينة عرفية تدلّ على الشمول والكثرة ، وهي غلبة نشوء النهي عن المفسدة ، وغلبة كون المفسدة انحلاليّة متكثّرة يشكّل قرينة عرفية على الانحلال في المقام ، ولولا هذه القرينة لكان مقتضى الأصل هو البدلية ، ولكانت القضية في خطاب « لا تشرب الخمر » قضية حقيقية لو خليت وطبعها ، بحيث لو شرب لعوقب مرة واحدة ثم يرتفع الخطاب ، ولكن كما قدّمنا لك بيانه وحقيقة مرامه . 4 - التنبيه الرابع : في الانصراف : والانصراف حالة معينة في اللفظ قد تؤدّي إلى عدم تمامية مقدمات الحكمة ، ويقصد بالانصراف أنس الذهن بحصة خاصة من حصص الطبيعة التي وضع اللفظ لها ، وهذا الأنس يوجب انصراف اللفظ إلى تلك الحصة المأنوسة ، هذا بحسب المعنى . وأمّا تحقيق حال الانصراف فنقول : إنّ انصراف اللفظ إلى خصوص حصة من حصص الطبيعة ، سببه أحد أمور ثلاثة . 1 - الأمر الأول : كثرة وجود هذه الحصة من بين سائر حصص الطبيعة خارجا ، وندرة وجود الباقي ، كما يتصور الإنسان أنّ الإنسان أسود فيما إذا كان يعيش في بلد يكثر فيه الإنسان الأسود ، وكذلك العكس ، فقد يتصوّر الإنسان أنّه لا أسود فيما إذا كان يعيش في بلد يكثر فيه الإنسان اللّاأسود ، فهذا أنس قائم على أساس كثرة الوجود خارجا ، والانصراف الذي ينشأ منه لا علاقة له باللفظ والدليل أصلا ، ولذا فهو لا أثر له في فهم المعنى من الدليل ، ولا يوجب هدم الإطلاق ، ولا إعاقة مقدمات الحكمة ، لأنّ هذا الانصراف لم يكن بسبب اللفظ ، اللّهمّ إلّا إذا كانت ندرة هذا النادر الذي انصرف عنه