السيد محمد باقر الصدر
515
بحوث في علم الأصول
وأمّا المقدمة الثالثة من مقدمات الحكمة ، وهي أن لا يكون هناك قدر متيقن في مقام التخاطب ، فقد اتّضح أنّه لا أساس لها ، حيث عرفت أنّه لا يشترط في الإطلاق الحكمي عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب ، بل الإطلاق ثابت حتى مع وجود قدر متيقن في مقام التخاطب . هذا حاصل الكلام في مقدمات الحكمة ، وحاصل تطبيق ما ذكرنا في بيانها كما ورد في الكتب . ثم إنّ المحقق النائيني ( قده ) ذكر أنّ مقدمات الحكمة تقلب « اللّابشرط المقسمي » إلى « اللّابشرط القسمي » ، وهو الذي نعبّر عنه بالمطلق ، فمدلول اللفظ الذي يدلّ عليه بالوضع من أول الأمر هو ، الجامع بين المطلق والمقيّد ، وهذا المسمّى « باللّابشرط المقسمي » ، وهذا هو الذي ينقلب إلى « اللّابشرط القسمي » ، وهو المسمّى « بالمطلق » بالخصوص . وهذا التعبير بحسب الروح صحيح ، وإن اختلفنا عنه في المصطلح ، حيث أنّ الأحسن أن يقال : بأنّ مقدمات الحكمة تقلب الطبيعة المهملة إلى الطبيعة المطلقة بناء على أن يكون المراد من المطلق هنا ، ما ذكرناه من « لحاظ الماهيّة مع عدم لحاظ القيد » ، وليست لحاظ الماهية مع لحاظ عدم القيد كما فسّره السيد الخوئي ( قده ) حيث ذهب إلى أنّ المطلق اللّابشرط القسمي ، هو لحاظ الماهية ولحاظ عدم القيد ، إذ أنّ مقدمات الحكمة لا تبرهن على لحاظ عدم القيد كما عرفت سابقا ، بل هي تبرهن على أنّ تمام مراد المتكلم هو ما بيّنه ، أي - ذات الطبيعة - وهذا يثبت أنّ المتكلم لم يلحظ القيد ، لا أنّه لحظ عدم القيد . وهذا منبّه برهاني على عدم صحة تفسير المطلق بما فسّره به السيد الخوئي ( قده ) ، لأنّ مقدمات الحكمة لا تفي بالمطلق هذا ، بل إنّ ما تفي مقدمات الحكمة بإثباته هو كون المطلق عبارة عن لحاظ الماهيّة وعدم لحاظ الزائد ، لا لحاظ عدم الزائد ، وهذا ما عبّرنا عنه ، بأنّ مقدمات الحكمة تقلب الطبيعة المهملة إلى الطبيعة المطلقة . هذا تمام الكلام في مقدمات الحكمة .