السيد محمد باقر الصدر

362

بحوث في علم الأصول

بمقتضى البرهان الأول والرابع ، لأنهما يشتركان في إثبات امتناع مانعيّة الضد ، حيث أن وجوده يكون في طول مانعيّة مقتضيه . وإنّ شئت قلت : إنّ تقريب الدور يرتفع حتما مطلقا في صيغة البرهان الثاني حيث يقال : بأنّ وجود البياض يتوقف على عدم بقاء السواد ، فيما لا يتوقف بقاء السواد على عدم حدوث البياض ، ليلزم الدور بصيغة البرهان الثاني ، أو البرهان السابع ، فإنّ وجود البياض يتوقف على عدم السواد ، باعتبار أنّ السواد مانع عن البياض ، فمثلا في إشكال الدور ، كنّا نقول : بأن السواد - المانع نفسه - متوقف على عدم ممنوعه ، لأنّ فرض وجوده هو فرض عدم ممنوعه قبله ، حينئذ ، كنّا نسأل أنه عمّا ذا يمنع ؟ . وهذا لا يأتي هنا ، لأنّ المانع هو السواد بقاء ، وهو غير موقوف على عدم حدوث البياض ، لأنّ المفروض أن المانع هو الضد الموجود وليس المعدوم . إذن فهذا الضد الموجود وهو السواد ، يمنع عن البياض ، ولا يكون متوقفا على عدم البياض كي يلزم الدور . إذن فإشكال الدور يرتفع في المقام . وكنّا نقول في البرهان الرابع : إنّ استحالة اجتماع الضدين ذاتيّة ، لأنّ الضد إنّ كان يمنع عن وجود الضد الآخر في ظرف عدمه ، فهذا غير معقول ، وإنّ كان يمنع عنه في ظرف وجوده ، فهو غير معقول أيضا ، لأن ظرف وجود أحد الضدين بما هو ظرف هذا الضد ، هو ظرف للامتناع الذاتي ، لوجود ذاك الضد ، فتستحيل فيه العليّة المساوقة للامتناع بالغير . وهذا هو نفسه يأتي هنا فيقال : بأنّ هذا السواد بوجوده البقائي ، إن كان يمنع عن حدوث البياض ، حال ارتفاعه ، فهو غير معقول ، لأنّه يلزم منه مانعيّة حال عدمه وهو مستحيل ، وإن كان هذا السواد بوجوده البقائي ، يمنع عن حدوث البياض معه ، فهذه المانعيّة منوطة بفعليّة ووجود السواد ، والمفروض أن الظرف الذي فرغ فيه عن وجود أحد الضدين بما هو كذلك ، يمتنع أن يوجد فيه الآخر ذاتا ، إذن فلا يعقل أن يكون علة لمنعه حينئذ .