السيد محمد باقر الصدر

167

بحوث في علم الأصول

أن أحد هذين الدليلين مقيّد ، إمّا بمثل قوله : إنّ الصائم يجب عليه زائدا على اجتناب الثلاث - أيضا « اجتناب الارتماس في الماء » ، وإمّا بمثل قوله « إن المرأة يجب عليها قضاء صلاة الآيات » لو كانت قد فاتتها أيّام عادتها ، وهذا تعارض نشأ من العلم الخارجي ، إذن هو تعارض بالعرض . وحينئذ يقال : إن قانون تقديم أقوى الدليلين دلالة ، على أضعف الدليلين دلالة إنما يكون في القسم الأول ، أي : عندما يكون التعارض ذاتيا دون القسم الثاني الذي يكون التعارض فيه عرضيا . وعند تطبيق هذه الكبرى على محل الكلام في تعارض إطلاق الهيئة مع إطلاق المادة ، نجد أن التعارض هذا بينهما إنما هو من القسم الثاني ، أي التعارض العرضي ، لأن إطلاق الهيئة ، وإطلاق المادة ، لا تعارض بينهما في أنفسهما ، وإنما نشأ التعارض بينهما من ناحية العلم الخارجي بطرو القيد على أحدهما . ومن هنا لا يمكن إعمال قوانين الجمع العرفي التي منها تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما ، لكون التعارض بينهما بسبب الدليل الخارجي على كذب أحد الإطلاقين ، وفيه لا يقدّم الأقوى دلالة على الأضعف دلالة . ودعوى تعطيل إعمال قانون الجمع العرفي في مثل المتعارضين بالعرض ، لا يتنافى مع ارتكازاتنا العرفية ، التي هي الأساس في قوانين الجمع العرفي ، فإن ارتكازنا العرفي يقضي بأنه إذا وجد عامّان : أحدهما أقوى من الآخر من قبيل ، « لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث » ، والآخر أضعف من قبيل « الحائض لا تقضي ما فاتها من الصلاة » ، فيعمّ « صلاة الآيات » ، فلو علم من الخارج وقوع خلل في أحد هذين العامين ، فالعرف يرى أن قوة الظهور في أحدهما قرينة على توجيه القيد إلى الأضعف ظهورا . وهذا بحث كبروي نافع في معرفة النكتة الداعية لهجر الارتكاز العرفي في أن تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما لا يجري في موارد التعارض بالعرض ، وقد قرّبت هذه الشبهة بعدة تقريبات :