السيد محمد باقر الصدر

135

بحوث في علم الأصول

أنها هي عينها ، غاية الأمر أنها انقلبت من التخييرية إلى التعيينيّة ، أو إنّهما إرادتان مستقلّتان إحداهما عن الأخرى بنكتة تخصّها ؟ . فمثلا في أول الأمر كانت إحداهما المتعلقة بالجامع ، تخييرية ، وبعد إن ابتلى المكلّف بالعطش انحصرت إرادته في الفرد الثاني من الإرادة ، فانقلب الشوق عنده من التخييري إلى التعييني ، أهكذا هي ؟ . أو إنّ هذه الإرادة التعيينية هي إرادة أخرى ، وليست هي الأولى ، بل هي وراء الأولى ، والأولى ليست هي التي تنقلب إلى الثانية ، بل وجد ملاك آخر للثانية ؟ فإن وجدت منفصلة عن الأولى ؟ : قد يقال في المقام : إنّ الإرادة الثانية المشروطة هي إرادة أخرى مستقلة عن الأولى وليست من تطوراتها ، بدعوى أن كلّا من الإرادتين لها نكتة غير نكتة الأخرى ، فليست إحداهما امتدادا للأخرى ، فإن الإرادة المتعلقة بشرب الماء ، والحاصلة عند العطش ، هي شوق نفساني يدركها كل إنسان عندما يعطش حتى الحيوان ، بينما تلك الأولى المتعلقة بالجامع ، فهي شوق عقلاني مبني على التبصّر والتأمّل في حفظ الحياة ، فإحداهما شوق بنكتة عقلانية ، والأخرى شوق بنكتة جسدية نفسيّة . إلّا أن هذا الكلام غير تام ، بل كلتا الإرادتين بنكتة واحدة ، وذلك أنّ ما هو محبوب ومطلوب الكائن الحي ، على كل حال ، إنما هو الارتواء ، أو دفع ألم العطش ، وهذا الارتواء له مقدمتان يوجد بوجودهما : أ - المقدمة الأولى : هي أن يحصل الارتواء بسبب أنه لم يعطش . ب - المقدمة الثانية : هي أن يحصل الارتواء ، وذلك بأن يعطش ، لكن يحصل له الماء فيحصل الارتواء ، إذن ففي المقام ، مطلوب نفسي واحد ، هو الارتواء ، وفردا الجامع يعبران دائما عن مقدمتين صالحتين للتوصل إلى هذا الارتواء . إذن فالإرادة النفسية متعلّقة بذي المقدمة ، « الارتواء » ويترشح منها شوق يتعلق بما يتوقف عليه ذو المقدمة . « الارتواء » ، وما يتوقف عليه ذو المقدمة ، إنما هو أحد فردي الجامع : إمّا أن لا يعطش ، أو يعطش ويشرب الماء .