السيد محمد باقر الصدر
44
دروس في علم الأصول
ثم بعد الفراغ عن الفرق بين الشك في التكليف والشك في الامتثال - اي المكلف به - باتخاذ الأول ضابطا للبراءة والثاني ضابطا لأصالة الاشتغال . يقع الكلام في ميزان التمييز الذي به يعرف كون الشك في التكليف لكي تجري البراءة ، وهذا الميزان انما يراد في الشبهات الموضوعية التي قد يحتاج التمييز فيها إلى دقة دون الشبهات الحكمية التي يكون الشك فيها عادة شكا في التكليف كما هو واضح . وتوضيح الحال في المقام : ان الشبهة الموضوعية تستبطن دائما الشك في أحد أطراف الحكم الشرعي ، إذ لو كانت كلها معلومة فلا يتصور شك الا من أصل حكم الشارع وتكون الشبهة حينئذ حكمية ، وهذه الأطراف هي عبارة عن قيد التكليف ومتعلقه ومتعلق المتعلق له المسمى بالموضوع الخارجي ، فحرمة شرب الخمر المشروطة بالبلوغ قيدها ( البلوغ ) ومتعلقها ( الشرب ) ومتعلق متعلقها ( الخمر ) ، وخطاب ( أكرم عالما إذا جاء العيد ) قيد الوجوب فيه ( مجئ العيد ) ومتعلقه ( الاكرام ) ومتعلق متعلقه ( العالم ) . فإن كان الشك في صدور المتعلق مع احراز القيود والموضوع الخارجي فهذا شك في الامتثال بلا اشكال وتجري أصالة الاشتغال ، لان التكليف معلوم ولا شك فيه لبداهة أن فعلية التكليف غير منوطة بوجود متعلقه خارجا وانما الشك في الخروج عن عهدته فلا مجال للبراءة . واما إذا كان الشك في الموضوع الخارجي ، كما إذا لم يحرز كون فرد ما مصداقا للموضوع الخارجي ، فإن كان اطلاق التكليف بالنسبة إليه شموليا جرت البراءة لأن الشك حينئذ يستبطن الشك في التكليف الزائد ، كما إذا قيل ( لا تشرب الخمر ) و ( أكرم الفقراء ) وشك في أن هذا خمر وفي أن ذاك فقير . وان كان اطلاق التكليف بالنسبة إليه بدليا لم تجر البراءة ، كما إذا ورد ( أكرم فقيرا ) وشك في أن زيدا فقير فلا يجوز الاكتفاء باكرامه لأن الشك المذكور لا يستبطن الشك في تكليف زائد بل في سعة