السيد محمد باقر الصدر
12
بحوث في علم الأصول
إنه قلّما تجتمع النزعة البرهانية المنطقية في الاستدلال ، مع الذوق الفني ، والحسّ العقلائي ، والذهنية العرفية في شخصية علمية واحدة ، في الوقت الذي نجد أن العلماء الذين مارسوا ويمارسون المناهج العقلية والبرهانية من المعرفة ، ويتفاعلون مع تلك المناهج وطرائق البحث ، نجد أنهم لا يلتفتون ، وقد لا يحسون بدقائق النكات العرفية ، والذوقية ، والعقلائية ، بينما يبنون معارفهم وآراءهم على أساس تلك المصطلحات البرهانية المكرورة التي اعتادوا عليها في تلك البحوث العقلية وغيرها ، وهكذا الباحثون في العلوم الأدبية والقانونية وما شابهها ، قلّما يمارسون أو يجيدون صناعة البرهنة والاستدلال المنطقي ، بينما كان هذا مائزا وخصيصة قد امتازت بها مدرسة السيد الشهيد ( قده ) فهي في الوقت الذي جمعت فيه بين هاتين الخصيصتين اللتين قلّما اجتمعتا ، فقد تمكنت من التوفيق الدقيق بينهما ، واستخدمت كلّا منهما في مجاله المناسب دون ما تخبط أو إقحام ما هو خارج موردهما في مجالهما . 7 - القيمة الحضارية لمدرسة السيد الشهيد الصدر ( قده ) : ليس عجيبا ممّن عرف السيد الشهيد ( قده ) وتلمّذ عليه فترة كبيرة ، أن يدعي له أنه مجدد أو باعث هذا الدين في هذا القرن ، مصداقا لما ورد ، ومضمونه أن اللّه تعالى يبعث على رأس كل قرن من يجدد هذا الدين ، أو يبعثه ، أو كما قال ، لا سيّما وقد ادعي هذا المضمون لمن يصح أن يكون تلميذا للسيد الشهيد ( قده ) من علماء المسلمين . ولذلك فنحن وبقية الطليعة الفكرية في المسلمين قاطبة بل وفئة يعتد بها من غير المسلمين ، نعتقد أن سيدنا الشهيد ( قده ) كان تحديا حضاريا معاصرا عندما استطاع بمدرسته التصدّي لنسف أسس الحضارة المادية لإنسان العصر الحديث ، بينما قدّم الحضارة الإسلامية شامخة نقية على أسس علمية ثابتة ، ضمن بناء شامل ومتماسك ، استطاع من خلاله أن ينازل الفكر الحضاري الآخر كأقوى وأمتن من خاض غمار هذا المعترك ، كما عبّر عنه المفكر العربي أكرم زعيتر . وقد وفق سيدنا الشهيد ( قده ) لتفنيد كل مزاعم وأسس الحضارة المادية