ملا محمد مهدي النراقي

531

انيس المجتهدين في علم الأصول

الوضوء ، فلا يكفي أقلّ ما يطلق عليه الاسم ، فيقول الشافعي : إنّه ركن ، فلا يتقدّر بالربع كالوجه « 1 » . والحكمان - أي عدم كفاية أقلّه وعدم التقدّر بالربع - لا يتنافيان لذاتيهما ؛ لاجتماعهما في الأصل ، وهو الوجه ، لكنّهما يتنافيان في الفرع ؛ لاتّفاق المعلّل والقالب على نفي غيرهما من الأقسام ، فكلّ منهما يعرض في دليله لإبطال مذهب الخصم صريحا . ومثال الثالث ما يقال في بيع الغائب : عقد معاوضة فيصحّ مع الجهل بأحد العوضين ، كالنكاح ، فيقول المعترض : فلا يثبت فيه خيار الرؤية ، كالنكاح ، ويلزم من فساد خيار الرؤية فساد البيع عند المستدلّ . والحكمان - أي الصحّة وعدم خيار الرؤية - اجتمعا في الأصل - أي النكاح - ولا يمكن أن يجتمعا في الفرع ، أي البيع . والمستدلّ لمّا أخذ الأوّل مذهبا وقاس على الأصل ، فالقالب أشار بالثاني وقياسه عليه إلى بطلان مذهبه ضمنا . ومن الثالث قلب المساواة ، كما يقال : المكره مالك مكلّف فيقع طلاقه ، كالمختار ، فيقول المعترض : فيسوّى بين إقراره وإيقاعه كالمختار ، والحكمان - وهما الإيقاع والإقرار - مجتمعان في الأصل باعتقاد الخصمين ، وكلاهما مرتفع من الفرع باعتقاد القالب ، وأحدهما - وهو الإيقاع - موجود فيه دون الآخر باعتقاد القائس ، ولمّا أثبته فيه قياسا على الأصل ، فقلب عليه القالب لزوم ثبوت الحكمين في الفرع من رأسه ، مع أنّه لم يقل به . هذا . وقد اختلف في قبول القلب ، فأنكره جماعة « 2 » ؛ لأنّ الحكمين إن تنافيا امتنع اجتماعهما في الأصل ، مع أنّه لازم لما شرطناه وهو اتّحاد الأصل . وإن لم يتنافيا ، فيجوز استنادهما إلى علّة واحدة ، كما تقدّم « 3 » ، فلا يبطل العلّيّة . ويدفعه إمكان تنافيهما في الفرع بعرض الاجتماع بدليل من خارج دون الأصل ، كما عرفت « 4 » .

--> ( 1 ) . حكاه القرطبي في بداية المجتهد 1 : 12 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 113 و 114 . ( 2 ) . منهم : الفخر الرازي في المحصول 5 : 265 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 116 ، والعلّامة في تهذيب الوصول : 261 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 210 . ( 3 ) . تقدّم في ص 520 - 521 . ( 4 ) . آنفا .